القصة كاملة
بابا لو سمحت، متخلّينيش أقعد.
دي كانت أول جملة قالها ياسين، ابني اللي عنده 8 سنين، وهو واقف على باب شقتي في مدينة نصر، بيرتعش كأنه هرب من حاجة عمر طفل في سنه ما المفروضش يشوفها.
شنطته كانت معلّقة على كتفه، وشفايفه متقطعة من كتر ما بيعضّها، وعينه مثبتة في الأرض كأن مجرد إنه يبص لحد كبير خطر عليه.
أمه، ريم، ما نزلتش حتى من العربية.
ضربت الكلاكس مرتين وقالت من الشباك
متدلعوش يا كريم، ده بيعمل حركات عشان يلفت الانتباه.
ومشيت.
ببساطة كأنها سابت كيس هدوم قديمة، مش ابنها.
ياسين دايمًا كان بيجري عليّ يوم الجمعة يحضني ويحكيلي عن يومه، عن المدرسة، عن الكورة، عن أي حاجة.
لكن المرة دي ما جريش.
مشي بالراحة
بحذر
كأن كل خطوة بتوجعه.
مالك يا بطل؟ سألته.
بلع ريقه وقال
مفيش.
الكلمة دي جمّدت قلبي.
لأن لما طفل يقول مفيش وهو مرعوب كده يبقى بيخبي مصيبة، مش شقاوة.
أنا وريم مطلقين بقالنا 3 سنين. هو بيعيش معاها طول الأسبوع، وأنا بشوفه في الويك إند.
في الأول فكرت سكوته بسبب الطلاق
بعدين بطل يغني في العربية
بعدين بقى يعضّ ضوافره لحد ما تنزف
وكل يوم اثنين الصبح يقولّي
بابا، قول للقاضي إني تعبان.
ولما أسأله ليه، يرد
ماما بتزعل لو اتكلمت.
رحت للمدرسة، كلمت الأخصائية، جمعت أدلة، صورت كدمات
لكن ريم كان عندها دايمًا رد جاهز
وقع وهو بيلعب.
كريم بيحاول يكرهه فيا.
الولد حساس عشان أبوه سابه.
والناس كانت بتصدقها.
لأنها كانت مثالية قدامهم صور على السوشيال ميديا،
لكن اليوم ده لما حاول يقعد على الكنبة وطلع منه صوت وجع حاول يكتمه
عرفت إن مفيش وقت.
مسكت موبايلي.
بابا لأ قالها بصوت واطي ماما قالت لو كلمت الشرطة هيدخلوك السجن.
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
مش بس أذوا ابني
ده كمان علموه يخاف يطلب المساعدة.
اتصلت بالإسعاف فورًا.
ابني لسه جاي من عند أمه، مش قادر يقعد وبيتألم جدًا ومرعوب عايز إسعاف وشرطة حالًا.
ياسين بدأ يعيط بصمت.
ركعت قدامه وقلت
اسمعني كويس يا حبيبي إنت معملتش حاجة غلط.
الإسعاف وصلت وبعدها الشرطة.
المسعفة كشفت عليه أقل من دقيقة ووشها اتغير فجأة.
مين جابه بالحالة دي؟
أمه من ربع ساعة.
ومشيت؟
آه.
بصت لزميلها وقالت
نتحرك فورًا.
وهو على النقالة، مسك في قميصي بقوة
متسبنيش يا بابا.
عمري ما هسيبك.
في المستشفى، طلبوا مني أستنى برة.
كنت واقف عاجز مكسور.
بعد شوية، ريم دخلت زي العاصفة
إنت عملت إيه يا كريم؟! جبت إسعاف عشان دلع؟
حاولت تدخل، لكن الممرضة وقفتها
ممنوع.
أنا أمه!
عشان كده تحديدًا.
وشها اصفرّ.
ضابط قرب منها
محتاجين تفسير إزاي ابنك وصل للحالة دي؟
وقع في الحمام قالت بسرعة.
طيب ليه ما وديتهوش المستشفى؟
سكتت.
وفي اللحظة دي سمعنا ياسين بيعيط من جوة.
وبعدين قال الجملة اللي وقفت قلبي
مش عايز عمرو يقربلي تاني
عمرو جوزها.
الراجل اللي دايمًا شيك بابتسامة مزيفة.
ريم حطت إيدها على صدرها
هو متلخبط عمرو ما كانش موجود.
لكن الأخصائية الاجتماعية خرجت وقالت بحزم
هتفضلي
ريم بدأت تعيط
وأنا بس كنت ببص لها.
ولأول مرة فهمت إن الكارثة مش بس اللي اكتشفته دلوقتي
لكن اللي هي كانت ساكتة عنه بقالها شهور.
اللي جاي محدش كان مستعد له
أ
الثاني
المستشفى كانت هادية بشكل مخيف
لكن جوايا كان في عاصفة.
كل ثانية بتعدي وأنا واقف قدام باب أوضة الكشف كانت بتقتلني لحد ما الباب اتفتح.
خرجت الدكتورة ومعاها الأخصائية الاجتماعية وملامحهم كانت كفيلة تقول كل حاجة قبل ما ينطقوا.
حضرتك والد الطفل؟
أيوه طمّنيني، ابني ماله؟
بصّت لي لحظة، وكأنها بتختار كلماتها بعناية
ابنك تعرّض لإيذاء جسدي شديد.
الكلمة نزلت عليّ زي الصاعقة.
إزاي؟! مين عمل فيه كده؟!
الأخصائية تدخلت بهدوء
إحنا محتاجينك تهدى عشان نكمل الإجراءات بس لازم تعرف إن الحالة مش حادثة عادية.
قلبي كان بيدق بجنون.
يعني إيه مش عادية؟!
الدكتورة قالت بصوت منخفض
الإصابات مش نتيجة سقوط دي نتيجة اعتداء متكرر.
الدنيا لفت بيا.
متكرر؟!
يعني ابني كان بيتعذب وأنا مش واخد بالي؟!
سندت إيدي على الحيطة عشان ما أقعش.
عايز أشوفه حالًا.
دخلت الأوضة
وشوفت ياسين نايم على السرير، وشه شاحب وعينه وارمة من العياط.
أول ما شافني مد إيده ليا.
بابا
قربت منه بسرعة، مسكت إيده وبوستها
أنا هنا يا حبيبي خلاص، محدش هيقربلك.
سكت لحظة وبعدين قال بصوت مكسور
أنا حاولت أقولك
الكلمة دي كسرتني.
أنا عارف وأنا اللي اتأخرت.
بص حواليه بخوف، كأنه مستني حد يدخل
هو مش هييجي هنا صح؟
مين؟
همس
عمرو
جسمي كله
عمل إيه يا ياسين؟
سكت ودموعه نزلت.
كان بيقولّي لو اتكلمت هيأذيك.
قفلت عيني لحظة وأنا بحاول أتحكم في الغضب اللي جوايا.
مش بس كان بيأذيه
ده كان بيهدده بيا أنا.
بصلي يا ياسين محدش يقدر يعملك حاجة تاني، فاهم؟
هز راسه بخوف.
ماما كانت بتشوف بس كانت بتقولّي اسكت.
الجملة دي كانت أقسى من أي حاجة.
ريم كانت عارفة.
خرجت من الأوضة وأنا مش شايف قدامي من كتر الغضب.
لقيت الظابط واقف.
محتاجين أقوال الطفل رسميًا وكمان هيتحول الموضوع للنيابة فورًا.
وأنا كمان عندي أقوال.
بصلي
قول.
قربت منه، وقلت بكل هدوء رغم النار اللي جوايا
اللي عمل كده في ابني مش هيسيب البلد دي غير على السجن.
في اللحظة دي باب المستشفى اتفتح بعنف.
وظهر عمرو.
واقف بكل برود لابس بدلته، وكأنه جاي شغله مش مستشفى.
بص حواليه، وبعدين عينه جت عليّ.
ابتسم.
ابتسامة باردة مستفزة.
في إيه يا جماعة؟ كل ده عشان عيل وقع؟
قبل ما أتحرك خطوة
الظابط سبَقني.
اسمك عمرو؟
أيوه، في مشكلة؟
الظابط بص له نظرة حادة
أيوه في مشكلة كبيرة.
اتنين عساكر مسكوه من دراعه.
ابتسامته اختفت فجأة.
إيه ده؟! إنتوا بتعملوا إيه؟!
رد الظابط
بتتحفظ عليك لحد ما التحقيقات تخلص.
عمرو حاول يقاوم
عندكم دليل؟!
في اللحظة دي صوت صغير طلع من ورايا
أنا الدليل
لفّينا كلنا
وكان ياسين واقف على باب الأوضة، ماسك في طرف الباب وجسمه بيرتعش.
بس عينه كانت مليانة شجاعة لأول مرة.
هو اللي كان بيعمل كده فيا
المستشفى كلها سكتت.
ووش عمرو اتحوّل
أما أنا
فأول مرة أحس إن ابني بدأ يرجعلي من تاني.
لكن اللي محدش كان متوقعه
إن الحقيقة لسه مخبية صدمة أكبر
وأكبر بكتير مما نتخيل
الجزء الثالث والأكثر