القصة كاملة
قال للجميع بنتي سابت الخدمة... لكن الحقيقة ظهرت حك 200 ضابط!
هي سابت الخدمة من زمان، قالها أبويا قدام الناس بكل بساطة.
وقفت ساكتة في حفل تخرج أخويا من الكلية العسكرية لحد ما الضابط الكبير بصلي فجأة وقال
يا فندم حضرتك هنا؟
وفجأة 200 خريج وقفوا على رجلهم.
وأبويا اتجمّد مكانه.
كان فاكر إنه عارف حكايتي كويس
لحد ما القاعة كلها قامت.
لما وصلت بوابة القاعدة العسكرية على ساحل الإسكندرية، كانت الشمس الصبح بدأت تضرب في المباني البيضا بقوة، تخليها تلمع بشكل قاسي. ريحة البحر مالية الجو ومعاها ريحة حديد وزيت خفيفة، من النوع اللي بيلزق في هدومك من غير ما تاخد بالك.
العائلات كانت ماشية في مجموعات، كله بيظبط هدومه، بيعدل كرافتة، أو بيطلع موبايله عشان يصور اللحظة. الفخر كان مالي المكان واضح، سهل، وصوته عالي.
أما أنا
كنت متعودة أختفي وسط الفخر ده.
لابسة بليزر كحلي بسيط فوق بلوزة بيج، وبنطلون غامق.
مفيش أي شارة مفيش نياشين مفيش حتى خاتم في إيدي.
رغم إن الخاتم كان في جيب الجاكيت من جوه بارد وناعم، بحسه كل ما أتحرك.
الناس كانت تبصلي زي أي أخت كبيرة جاية تساعد، تشيل الشنطة، وتمسك البرنامج، وتسقف في الوقت المناسب.
الصورة دي
أبويا كان بيحبها.
هو اللي رسمها سنين.
أبويا كان راجل بيحب الحكايات السهلة.
الحكايات اللي تتقال في جملة واحدة، من غير أسئلة.
وكانت حكايتي المفضلة عنده دايمًا
مريم خدمت شوية مريم شاطرة مريم دلوقتي شغالة في القاهرة واختارت الطريق الهادي.
ولو
كان عندها مستقبل.
ولو حب يكون قاسي من غير ما يبان
هي اللي سابت الخدمة.
والغريب؟
كان دايمًا يقولها كأنها حاجة عادية
مش إهانة.
كأنه بيرتب أوضة مش فاضية.
في بيتنا في المنصورة، حفلات الصيف كانت دايمًا بنفس الريحة
فحم، عشب متقصوص، شاي بالنعناع، وأكل على الشواية.
أمي كانت تتحرك بهدوء، تحط الأكل، ترتب المكان كأنها بتحاول تمنع أي توتر يطلع للسطح.
وأبويا؟
كان شايف نفسه على مسرح.
كل حاجة مترتبة كل حاجة محسوبة.
اليوم اللي قبل السفر، أخويا كريم طلع البلكونة بزيه العسكري الأبيض لامع ونضيف، وكل حاجة فيه بتقول إنه بقى ضابط.
أبويا وقف كأنه سمع أغنيته المفضلة.
ده ابني! قالها بصوت عالي.
الناس سقفت حد صفر والجيران قالوا إن الزي لايق عليه كأنه معمول عشانه.
كنت واقفة على الشواية.
واحدة من الجيران سألتني
مريم، لسه في القاهرة؟
قبل ما أرد أبويا رد بدالي
شغالة في التخطيط شغل مكتبي كده. كريم هو اللي بيشرف اسم العيلة.
ضحكوا ضحكة خفيفة
مش لأن الكلام مضحك
لكن لأنه متقال بشكل حلو.
ابتسمت بس.
آه القاهرة مشغلة الواحد.
رفع كوباية العصير وقال
كل واحد وطريقه.
زمان لما كان عندي 22 سنة، وأنا واقفة بزيي العسكري لأول مرة
أبويا كان بيفتخر بيا.
كان بيوري صورتي لأي حد.
لكن مع الوقت
حكايتي بقت معقدة بالنسبة له.
شغل مش بيتحكي مهام مش بتتصور قرارات بتحصل في أماكن محدش بيشوفها.
كل ما كنت أختفي عن العين
هو بطل يفهم.
وفي الآخر
بطل يحاول.
كريم كان أسهل.
واضح لامع مفهوم.
تاني يوم سافرنا.
أول ما وصلنا، الجو كان مختلف أنضف، أخف، ومالح.
عند البوابة، أبويا مسك كل حاجة
إحنا في الصف الأول.
وبصلي وقال ببساطة
مريم تقعد ورا النهارده يوم كريم.
موظف البوابة بصلي نظرة طويلة شوية
بص لطريقتي لوقوفي لإيدي.
حس بحاجة
حتى لو مش فاهمها.
هزيت راسي بس.
قال باحترام
اتفضلي يا فندم.
دخلنا القاعة.
كل حاجة كانت لامعة الزي الرسمي، الكراسي، الكاميرات.
أبويا قعد في الصف الأول مبسوط.
وأنا؟
وقفت ورا جنب الباب.
لما شافني، عمل إشارة بسيطة
خليكي هناك.
ففضلت.
لحد ما بدأ الحفل.
والضابط الكبير طلع على المسرح.
بدأ كلامه عن الشرف والانضباط والتضحية
وفجأة
سكت.
سكون غريب.
بص على الصفوف
عدّى كريم
عدّى الصف الأول كله
لحد ما وقف عندي.
أنا.
وشه اتغير.
مش استغراب
معرفة.
أبويا ابتسم وقال
شاف كريم.
لكن الضابط
ماكانش باصص لكريم.
نزل من على المسرح.
وابتدى يمشي
مش للصف الأول.
ناحيتي.
أبويا قام نص قومة مستني يسلم عليه.
لكن الضابط عدّى من جنبه كأنه مش شايفه.
كريم لف ورا
أمي ايدها شدت على الكرسي.
وأنا؟
واقفة مكاني.
حاسه إن اللحظة دي هتغيّر كل حاجة.
وقف قدامي.
وبصلي.
وبصوته الواضح قال
يا فندم حضرتك هنا؟
همهمة انتشرت في القاعة.
قبل ما أتكلم
وقف باستعداد كامل قدامي.
وفجأة
ضابط قام.
وبعدين اتنين.
وبعدين عشرة
وفي لحظة واحدة
200 خريج وقفوا على رجلهم.
صوت الكراسي كان زي موج البحر.
أبويا فضل واقف نص وقفة
وشه فاضي لأول مرة.
كريم مصدوم
وأمي شاحبة.
الضابط مازال باصصلي
وبعدين
قبل ما نكرّم دفعة جديدة في حد موجود هنا لازم الكل يعرفه
ولما تعرفوا مين اللي كانت واقفة ورا طول الوقت هتفهموا إن كل كلمة اتقالت عنها قبل كده كانت مجرد جزء صغير من الحقيقة.
والباقي لسه جاي
الجزء الثاني الحقيقة اللي قلبت القاعة
الصمت كان تقيل
تقيل لدرجة إنك ممكن تسمع فيه أنفاس الناس.
كل العيون اتوجهت ناحيتي.
وأنا واقفة مكاني، ثابتة، كأني مستنية اللحظة دي من سنين أو يمكن بهرب منها.
الضابط الكبير كمل كلامه، وصوته بقى أقوى
الاسم اللي هقوله دلوقتي مش مجرد اسم.
ده اسم اتكتب في ملفات محدش هنا شافها واتحط تحت قرارات غيّرت مصير ناس كتير.
قلبي دق مرة واحدة تقيلة.
كنت عارفة هو رايح فين.
لكني كنت لسه مش مستعدة.
العقيد مريم عز الدين.
الكلمة وقعت في القاعة زي صدمة كهرباء.
همهمة عالية طلعت فجأة
ناس بتبص لبعض ناس بتبصلي ناس مش فاهمة.
أما الصف الأول
فكان في عالم تاني.
أبويا
إيده نزلت ببطء من على الكرسي.
وشه اتحول من ثقة لذهول لحاجة أقرب للإنكار.
إيه؟ قالها بصوت واطي، كأنه بيكلم نفسه.
كريم واقف، عينيه مفتوحة على الآخر، مش قادر يستوعب.
مريم؟ قالها كأنه أول مرة ينطق اسمي.
الضابط كمل
العقيد مريم كانت من أصغر الضباط اللي مسكوا ملفات عمليات حساسة على مستوى الدولة.
اشتغلت في صمت من غير نياشين من غير كاميرات ومن غير ما حد يعرف.
وفي الوقت اللي ناس كانت بتفتكر إنها سابت الخدمة كانت هي في قلب أخطر المهام.
القاعة سكتت تاني
بس المرة دي سكون احترام.
أنا أخدت نفس ببطء.
حسيت بالخاتم في جيبي
نفس الإحساس القديم الحقيقة اللي طول عمري شايلها لوحدي.
الضابط قرب خطوة وقال بهدوء
أنا كنت تحت قيادتها
الجملة دي لوحدها
خلت كل