الجزء الاخير

لمحة نيوز

سكتت الحاجة أمينة ثواني قبل ما ترد على ابنها بصوت هادي
يا ابني لما الإنسان يبدأ يسمي الاحتياج مُبرر، لازم يخاف من نفسه. الاحتياج ممكن يفسر حاجات كتير لكنه مايمسحش الغلط.
ليلتها، ياسين ماعرفش ينام.
فضل يلف في شقته الصغيرة في شبرا لحد الفجر، وكل خطوة كانت كأنها بتدوس فوق ضميره.
وفي الساعة سبعة الصبح، مسك الموبايل واتصل بالرقم الخاص بالحاج فؤاد السيوفي.
موافق.
قالها بصوت مكسور.
أول مقابلة بالصدفة كانت في افتتاح معرض فني فاخر في الزمالك.
كانت ليلى واقفة قدام تمثال طيني، وبتسمع لفنان شاب بيتكلم بحماس عن القرى البسيطة في النوبة.
كانت لابسة فستان أخضر غامق، وشعرها سايباه على كتافها.
ماكانتش بتحاول تلفت الانتباه ويمكن عشان كده ياسين فضل باصصلها أكتر من اللازم.
قرب منها بالجملة اللي حافظها قبل ما ييجي، لكن أول ما بصت له، اتفاجئ بنظرة مختلفة مزيج غريب بين الذكاء والتعب، خلت الكلام يضيع من دماغه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
هو حضرتك كمان بتعمل نفسك فاهم التمثال؟
اتلخبط ياسين، وبعدها ضحك بصدق لأول مرة.
لا والله أنا أصلًا كنت بحاول أبان إني مش تايه بس.
ضحكت ليلى ضحكة هادية ونضيفة ضحكة حس إنها فتحت شباك نور جوه أوضة مقفولة.
اتكلموا أربعين دقيقة وبعدها ساعة كاملة.
اكتشف إنها خريجة إدارة أعمال، وإنها بتدير مشاريع تعليمية في المناطق الشعبية، وبتحب روايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وبتجمع

أكواب القهوة من كل مكان تسافرله.
وقالت له وهي بتبص حوالين القاعة الفخمة
بكره الأماكن دي الناس هنا بتهتم بشكلها من بره أكتر من روحها من جوه.
ولما دعاها للعشا، سكتت شوية قبل ما تسأله بصراحة
ليه أنا؟
السؤال نزل عليه زي الضربة.
بلع ريقه وقال
عشان كلامك كان أصدق حاجة حصلتلي الليلة دي كلها.
الجملة دي ماكنتش ضمن الاتفاق.
ويمكن عشان كده طلعت حقيقية.
خلال الأسابيع اللي بعدها، ياسين لعب دوره بإتقان لحد ما الدور بقى حقيقة.
ليلى ماكانتش بتنبهر بالمطاعم الغالية ولا بالورد المبالغ فيه.
كانت تحب تتمشى في شوارع المعادي القديمة، تشرب قهوة في كافيهات صغيرة، وتحكي عن الشباب اللي بتساعدهم يكملوا تعليمهم.
وفي يوم أخدته لمركز مجتمعي في إمبابة، كانت عاملة فيه ورش خياطة وكورسات كمبيوتر وإدارة مشاريع بسيطة للستات.
بصت للسيدات وهما بيتعلموا على أجهزة قديمة وقالت
بابا فاكر إن ده شغل خير لكنه مش خير.
ده استثمار في كرامة الناس.
فضل ياسين يتابعها وهي بتنادي كل شخص باسمه، ويشوف قد إيه كانت بتنور وسط الناس دي أكتر من أي حفلة فخمة.
مش بسبب الفلوس لكن بسبب إن عندها هدف.
وفي ليلة داخل شقتها، ورّته مكتبتها الكبيرة.
كتب في كل مكان، زرع على الشبابيك، وصور ليها وهي وسط أطفال ومتطوعين ومدرسين.
مسك رواية اللص والكلاب وقال
خلصتها امبارح زي ما طلبتي.
لمعت عينيها بحماس
وعجبتك؟
ابتسم وقال
حسيت إن فيه سكوت أوقات
بيوجع أكتر من الكلام.
بصت له وكأنه فتح باب كانت فاكرة إنه مقفول للأبد.
وفي الليلة دي اتباسوا لأول مرة.
كانت قبلة هادية، دافية، مليانة ثقة.
وعشان كده تحديدًا حس ياسين إنه أقل واحد يستحقها.
الذنب بدأ يطارده في كل لحظة.
كل ما ليلى تضحك، يفتكر الظرف والفلوس.
كل ما تقوله معاك بحس إني على طبيعتي يحس إن حاجة جواه بتتكسر.
لحد ما في يوم راح للحاج فؤاد في قصره بالتجمع الخامس وقال له بوضوح
مش هقدر أكمل.
بصله فؤاد ببرود
بسرعة كده تعبت؟
رد ياسين بصوت ثابت
أنا حبيتها.
ضحك فؤاد بسخرية
توقيت مناسب جدًا.
لا ده أسوأ شيء حصللي.
لأني دلوقتي فهمت قد إيه اللي عملته كان قاسي.
ضرب فؤاد المكتب بعصبية
أنا كنت بحمي بنتي!
هز ياسين رأسه
لا حضرتك خليتها تصدق إن محدش ممكن يحبها من غير مقابل.
حميتها لدرجة إنك سجنتها جوه خوفها.
اتغير وش فؤاد بغضب
مش هسمح لمقاول مفلس يديني دروس عن بنتي.
بصله ياسين من غير خوف
خليك واخد فلوسك.
أنا مستعد أخسر شركتي ولا أكمل كداب على الست اللي بحبها.
ومن اليوم اللي بعده بدأت الحرب.
٣ عملاء فسخوا العقود فجأة.
البنك طالب بالسداد فورًا.
وموردين كتير اختفوا كأن حد أمرهم بكده.
وفهم ياسين الرسالة كويس
الحاج فؤاد يقدر يدفنه وبدأ فعلًا.
لكن الضربة الأقوى جات في مطعم على النيل.
دخلت ليلى بفستان أصفر وخدت قلبه من أول لحظة.
كانت فرحانة بشكل وجعه.
مسكت إيده وقالت بابتسامة صادقة
الشهور
اللي فاتت كانوا أسعد أيام حياتي.
إنت خلتني أحس إني مرئية مش بنت الحاج فؤاد، ولا ست لازم تعتذر عن شكلها.
خلتني أحس إني محبوبة.
وبعدين طلعت علبة صغيرة.
فتحها لقى خاتم رجالي بسيط وأنيق.
وقالت وهي بتترعش
أنا مش تقليدية بس، تتجوزني يا ياسين؟
في اللحظة دي حس إن الدنيا وقفت.
تنهد وقال بصعوبة
ليلى قبل ما أرد، لازم تعرفي الحقيقة.
وحكالها كل حاجة.
الاجتماع.
الفلوس.
الاتفاق.
السنتين.
وتمثيلية الصدفة.
ومع كل كلمة، وش ليلى كان بيفقد لونه أكتر.
ولما خلص ماعيطتش فورًا.
وده كان أصعب.
سألته بصوت مكسور
بكام؟
قال بتوسل
ليلى
صرخت وهي بتحاول تضحك
بكام كان تمن إن حد يحبني؟
نزل بعينيه للأرض
عشرين مليون.
وقعت علبة الخاتم من إيدها فوق الترابيزة.
عشرين مليون
قالتها وهي بتضحك بوجع.
حتى في دي كنت رخيصة؟
حاول يقرب منها
اللي بحسه دلوقتي حقيقي.
بصت له والدموع مالية عينيها
دلوقتي؟
طب أفرق إزاي بين الحقيقة والكذب؟
إزاي أعرف أي حضن كان ليك وأي كلمة كانت مدفوعة؟
مد إيده ناحيتها لكنها رجعت خطوة لورا.
ماتحاولش تدور عليا تاني.
ليلى أنا بحبك.
قالت بمرارة
ماتقولش الكلمة دي كأنها لسه ليها معنى.
وسابته واقف لوحده، والخاتم فوق الترابيزة، وهو متأكد إنه ضيع أنضف حاجة دخلت حياته.
بعد أيام، زارته والدة ليلى، الست نادية.
كان التعب باين على وشها، لكن كرامتها كانت واضحة.
قالت بهدوء
بنتي فضلت تعيط طول الليل لكني جاية
أشكرك.
اتصدم ياسين
تشكريني؟
هزت رأسها بحزن
عشان قلت الحقيقة.
جوزي اعترفلي إن دي ماكنتش أول مرة.
كان طول عمره يبعد أي راجل يقرب
تم نسخ الرابط