اهانت رجل مشرد

لمحة نيوز

أهنتُ رجلاً فقيرًا أمام بوابة قصري وصرخت فيه رائحتك كريهة سأغسلك بنفسي!، لكن عندما نظرت في عينيه في تلك الليلة الباردة، أدركت من يكون حقًا
الجزء الأول
قبل ثلاث ثوانٍ فقط من أن يفرغ دلوًا فضيًا مليئًا بالماء المثلج فوق ذلك الرجل الذي كان يرتدي جلبابًا باليًا، كان حسام الدمنهوري لا يزال يظن نفسه الملك المطلق لمدينة القاهرة.
الحفل الفاخر في قصره بمنطقة التجمع الخامس بدا وكأنه صُمم خصيصًا ليتصدر أغلفة مجلات المجتمع في صباح اليوم التالي.
الحديقة الواسعة مضاءة بفوانيس أنيقة، الطاولات مزينة بالزهور البيضاء، والنُدُل بملابس رسمية يقدمون كؤوس العصائر الفاخرة والمشروبات.
كل شيء كان يلمع ببذخٍ يحاول إخفاء ما تحته من فساد.
في تلك الليلة، كان حسام يحتفل بذكرى تأسيس مؤسسة الدمنهوري الخيرية، التي يحمل شعارها
نعطي صوتًا لمن لا صوت لهم
مكتوبًا بحروف ذهبية فوق المسرح الرئيسي.
لكن
الإنسان الوحيد الذي لم يكن له صوت حقًا، كان واقفًا بجانب النافورة الحجرية، مبتلًا برذاذ المطر الخفيف، يرتدي جلبابًا بسيطًا وعباءة حمراء على كتفيه.
لم يكن يحمل حقيبة.
لم يطلب مالًا.
لم يُصدر أي صوت.
كان فقط يراقب نفاق الحفل بهدوءٍ أربك كل من اعتاد الضجيج ليشعر بأهميته.
لاحظ حسام وجوده أثناء التقاط صورة مع زوجته نادين وأحد النواب المعروفين بحب الظهور أمام الكاميرات.
اختفت ابتسامته فجأة.
مين اللي سمح للمتشرد ده يدخل هنا؟
التفت الحضور.
تراجعت بعض السيدات وهن يغطين أنوفهن، وكأن وجوده يلوث الهواء.
أحد صُنّاع المحتوى رفع هاتفه، مستعدًا لتحويل القسوة إلى فيديو منتشر.
تقدم حسام نحوه، يحمل كأسه وملامح الاشمئزاز على وجهه
ده مش ملجأ إنت ريحتك وحشة وبتبوّظ حفلي.
لم يتحرك الرجل.
فقط رفع يده بهدوء، كفه مفتوحة
ما تعملش كده.


كلمات بسيطة لكنها خالية من الخوف.
وهذا ما صدم غرور حسام.
ما أعملش؟! ضحك بسخرية أنا اللي بقرر هنا كل حاجة!
أمسك بدلو فضي مليء بالثلج كان يُستخدم لتبريد المشروبات، ورفعه فوق رأسه.
ضحكات متوترة انتشرت بين الحضور.
نادين تجمدت مكانها فهي تعرف تلك النظرة في عيني زوجها.
رئيس الأمن كريم تقدم خطوة، ثم توقف
يعرف أن الاعتراض قد يكلفه عمله.
نظر الرجل إلى حسام ليس بخوف، بل بشفقة عميقة.
حسام
لم يقل باشا أو أستاذ فقط اسمه.
شعر حسام بقشعريرة لكنه أخفاها بالغضب
بما إنك عامل فيها شيخ هاعمدك قدام الكل!
وقلب الدلو.
انسكب الماء المثلج فوق الرجل، وتناثرت قطع الثلج على الأرض الرخامية.
التصقت العباءة الحمراء بجسده.
لكن
لم يصرخ.
لم يرتجف.
أغمض عينيه للحظة ثم قال بهدوء
كده بقيت أنضف؟
ساد الصمت كأن البرد اجتاح المكان كله.
حسام حاول الضحك لكنه فشل.
اطلع بره!
البيت ده عمره ما كان بتاعك أنت بس ماسك المفاتيح لفترة.
قبل أن يرد حسام، ركض طفل صغير نحو الرجل، ممسكًا بكوب بلاستيك
اتفضل شكلك بردان.
انحنى الرجل، وأخذ الكوب وكأنه كنز
شكراً يا ابني.
تحولت أجواء الحفل
اختفت المتعة من وجوه الحاضرين.
صرخ حسام غاضبًا
كريم! طلّع الزبالة دي بره حالًا!
نظر كريم للرجل ثم لحسام
يا فندم هو ما عملش حاجة.
كانت كأنها إهانة علنية.
وقبل أن ينفجر حسام، دخلت الخادمة القديمة أم حسن وهي تلهث
يا بيه! بالله عليك ده نفس الراجل اللي في مستشفى القصر العيني!
اقتربت نادين بدهشة
مستشفى إيه؟
قالت أم حسن بصوت مرتجف
الصبح ست كانت بتترجى ينقذوا ابنها اللي كان بيختنق والمستشفى طلب فلوس كتير
حضرتك عديت وما اهتمتش
الراجل ده هو اللي دفع وهو اللي أنقذ الطفل!
ساد الصمت
وشحب وجه حسام.
وفجأة
دخلت امرأة بسيطة تمسك بيد طفل نحيف، وقالت بصوت قوي
رغم تعبها
الكلام ده حقيقي.
نظرت لحسام
شفتني وأنا ببكي ولفّيت وشك.
أنا جاية أشكر الراجل اللي أنت أهنته.
وقبل أن يرد
جاء صراخ من داخل القصر
يا مدام نادين! الأستاذ حسن بيه وقع في المكتب!
انفجر الذعر
لكن لا أحد كان مستعدًا لما سيحدث بعد ذلك.
سرٌ مظلم
كان على وشك أن ينكشف.
الجزء الثاني
الصراخ شقّ سكون الحفل، وتحولت النظرات من الرجل المبتل إلى أبواب القصر المفتوحة على مصراعيها.
يا مدام نادين! الأستاذ حسن بيه وقع ومش بيرد!
تجمّدت نادين لثانية ثم اندفعت نحو الداخل، وكعب حذائها يطرق الأرض الرخامية بعنف.
تبعها حسام، وقد اختفى غروره فجأة، وحلّ مكانه خوف حقيقي لم يعرفه من قبل.
الضيوف تفرقوا في الممرات، بعضهم بدافع الفضول، وآخرون بدافع الخوف من فضيحة وشيكة.
داخل المكتب الفخم
كان حسن الدمنهوري، والد حسام، ممددًا على الأرض، وجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة.
الملفات مبعثرة حوله، وكوب دواء سقط من على المكتب.
صرخت نادين
حد يتصل بدكتور! بسرعة!
أحد الحضور قال بتوتر
الإسعاف في الطريق بس حالته مش مستقرة!
وقف حسام عاجزًا ينظر إلى والده، الرجل الذي طالما بدا قويًا لا يُقهر وهو الآن أقرب للموت من أي وقت مضى.
بابا سامعني؟!
لكن لا إجابة.
في تلك اللحظة
ظهر صوت هادئ من خلفهم
لو فضلتوا واقفين كده هيموت.
التفت الجميع
كان ذلك الرجل نفسه ما زال مبتلًا، لكن ملامحه ثابتة.
صرخ حسام بغضب وارتباك
إنت إزاي دخلت هنا تاني؟!
لكن الرجل لم يرد عليه
اقترب مباشرة من حسن، وانحنى بجانبه، واضعًا يده على صدره يتحسس نبضه.
ضغطه واقع والتنفس ضعيف.
نظرت نادين إليه بتردد
إنت دكتور؟
رفع عينيه إليها بهدوء
ساعدت ناس كتير قبل كده وهنلحقه لو اتصرفنا صح.
صرخ حسام
محدش يلمسه! أنا مستني الدكتور!
لكن صوت صفارة جهاز الإنذار داخل الغرفة
قطع كلماته
جهاز مراقبة القلب المحمول الذي كان حسن يستخدمه بدأ يصدر صوتًا حادًا.
الوقت بيجري قال الرجل بحدة غير متوقعة.
ثم بدأ في إسعافات أولية سريعة ضغطات منتظمة على الصدر، وحركات دقيقة وكأنه يعرف ما يفعل تمامًا.
مرت ثوانٍ ثقيلة
الجميع صامت يراقب.
ثم
سعال مفاجئ.
تحرك جسد حسن وفتح عينيه ببطء.
م مين؟
انفجرت نادين بالبكاء
الحمد لله! الحمد لله!
أما حسام فوقف مكانه، مصدومًا غير قادر على استيعاب ما حدث.
نظر الرجل إلى حسن، ثم ساعده على الجلوس ببطء.
لكن قبل أن يتكلم أحد
وقعت عينا حسن على وجه الرجل.
وفجأة تغيرت ملامحه بالكامل.
اتسعت عيناه وارتجفت شفتاه
إنت؟!
ساد صمت ثقيل.
اقترب الرجل خطوة، ونظر إليه نظرة عميقة
واضح إنك لسه فاكر.
همس حسن بصوت مرتجف
مستحيل إحنا إحنا قلنا إنك
قاطعَه الرجل بهدوء
إنّي مت؟
تراجع حسام خطوة، وهو ينظر بينهما
هو إيه اللي بيحصل؟! حد يفهمني!
نظر حسن إلى ابنه ثم إلى الرجل وكأن سرًا دفينًا يُخنقه منذ سنوات.
قال بصوت ضعيف
حسام الراجل ده مش غريب.
اقترب الرجل أكثر
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء
أنا شريكك القديم اللي سرقت منه كل حاجة.
وكأن القصر كله انهار في تلك اللحظة
نظرات الصدمة، همسات الضيوف، الكاميرات التي بدأت تسجل في صمت
لكن الحقيقة كانت أخطر مما يتخيل الجميع.
واللي جاي
هيكشف ليه الرجل ده اختفى سنين
وليه رجع الليلة بالذات.

الجزء الثالث؟ 
الجزء الثالث
ساد الصمت كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
حسام نظر لوالده بصدمة
شريك إيه؟! إنت عمرك ما حكيتلي عن أي شراكة!
حسن أغلق عينيه للحظة وكأن الماضي كله عاد ينهش صدره، ثم قال بصوت مكسور
لأن الحقيقة ما ينفعش تتحكي.
الرجل الغريب ابتسم ابتسامة حزينة
ولا حتى لابنك؟ ولا كنت ناوي تدفنها معاك؟
اقترب خطوة، بينما عيون
الحضور تلاحقه بذهول
زمان قبل ما تبقى من أكبر رجال الأعمال في القاهرة كنت مجرد تاجر صغير وأنا كنت شريكك.
همس أحد الضيوف
مستحيل
تابع الرجل
أنا اللي موّلت البداية وأنا اللي بنيت
تم نسخ الرابط