القصة كاملة

لمحة نيوز

في حفل زفاف أختي، انحنت العروس فوق مكاني الفارغ على الطاولة وضحكت بسخرية وقالت
نضيّع الأكل الحلو عليكِ؟ يا سلام!
والديّ كانوا واقفين يتفرجوا وبهدوء قالوا لي إني المفروض أمشي.
وفعلًا مشيت. وقفت، وبصّيت لهم وقلت إنهم هيندمواوبدأت أتحرك ناحية الباب.
لكن في اللحظة دي أخو العريس قام من مكانه، وبعده المدير التنفيذي، وأمام 200 شخص حياة عيلتي المثالية بدأت تنهار بهدوء.
وده كان مجرد البداية
بحلول اللحظة اللي أختي رنا قربت مني، بابتسامتها المثالية اللي شبه شفرة حادة، قاعة الفرح ما بقتش احتفال بقت مسرح وأنا اتسحبت عليه غصب عني، من غير أي دور مكتوب ليا.
النجف الكريستال كان بيرمي ضوءه على الأرضية الرخام، يلمع في الفساتين والكؤوس، مخلي كل حاجة شكلها مبهر ومش حقيقي.
ريحة الورد والسلمون المشوي مالية المكان.
والجرسونات لابسين أسود بيتحركوا كأنهم جزء من عرض متفق عليه.
ووسط كل ده كانت طاولتي.
مترمية جنب الحيطة، مستخبية ورا عمود كبير، كأنها إضافة في آخر لحظة.
مفيش ورد.
مفيش فوط متشكلة.
مفيش معالق ولا شوك لامعة.
ولا حتى كارت باسمي.
بس مفرش فاضي طبق واحد وكرسي لوحده.
كنت قاعدة، إيدي في حضني، ضهري لازق في الحيطة، وببص على العرض الذهبي اللي شغال قداميأختي رنا في النص، بفستان أبيض بيلمع كأنه سرق النور لنفسه.
وبعدين شافتني.
طبعًا شافتني.
أنا البقعة الوحيدة اللي بوّظت الصورة المثالية اللي رسمتها بالشهور.
سابِت صحابها ومشت ناحيتي، الفستان بيهمس مع خطواتها، والطرحة وراها زي ذيل نيزك.
ريحة عطرها سبقت صوتهاحلوة وغالية ومخنوقة.
ميلت عليا وقالت بصوت واطي، بس كفاية إن الناس تسمع
انتي بجد فكرتي إني هصرف الأكل الحلو عليكي؟ لطيفة قوي.
الكلام كان خفيف لكن الإحساس لأ.
دخل جوايا زي سكينة باردة.
سكتت لحظة وأنا حاسة بعيون الناس علينامستنية،

مستمتعة، كأنهم شمّوا دم.
وبعدين قالت
سيبي الهدية وامشي مش لازم تفضلي.
امشي.
البيت اللي عمري ما كنت فيه فخر حد
لكن فلوسي كانت دايمًا بتسد النقص.
المكان اللي كرسي فيه موجود لكن أنا لأ.
ما رديتش.
بصّيت حواليا بدوّر عليهم.
بابا وماما كانوا قريبين.
أمي ليلى، بفستانها البنفسجي الأنيق، كانت بتعدل الوردة في صدرها وبتتجنب تبصلي.
وأبويا محمود بيظبط أزرار القميص وبيشرب من كاسه كأن مفيش حاجة.
لحظة واحدة بس تخيلت إن حد فيهم ممكن يتكلم.
رنا، كفاية.
أو حتى تعالي اقعدي معانا.
لكن ولا حاجة.
وأبويا قال بهدوء، من غير ما يبصلي
يمكن فعلاً تمشي.
بس كده.
ولا صدمة ولا دراما.
جملة عادية حكم نهائي.
في اللحظة دي جوايا سكت تمامًا.
سمعت صوت شوكة وقعت.
ونَفَس واحدة اتقطع.
والمزيكا الرومانسية شغالة بشكل غريب جدًا.
قمت بهدوء.
الكرسي عمل صوت عالي.
الفوطة وقعت على الأرض زي راية استسلام.
قلت بهدوء
تمام همشي.
ابتسامة رنا كبرت افتكرت إنها كسبت.
لكن أنا لسه مخلصتش.
عدلت فستاني الكحليكنت مختاراه لأنه شبه درع أكتر من لبسوبصّيت في عينيها مباشرة.
وقلت بهدوء
هتندموا كلكم.
المكان كله سكت.
والناس بصت.
ما كانش تهديد
كان حقيقة.
حاجة أنا عارفاها من زمان من وأنا صغيرة.
بس محدش كان بيحب يسمعها عشان جاية مني.
اللي محدش كان فاهمه وقتها
إن المشهد دهالإهانة، الطاولة الفاضية، والسكوت
ما كانش بداية القصة.
كان نهايتها.
نهاية الحكاية اللي هما كتبوا فصولها سنين
وكانت رنا بطلتها
وأنا مجرد هامش فيها.
الجزء الثاني
وأنا ماشية ناحية باب القاعة، كعب حذائي بيخبط على الرخام بصوت ثابت هادي بشكل غريب، كأن كل خطوة بتفصلني عن سنين كاملة مش مجرد مكان.
ولا حد ناداني.
ولا حد حاول يوقفني.
غير صوت واحد.
استني.
الصوت كان واضح، قوي، ومش متردد.
خلّى القاعة كلها تسكت مرة
واحدة.
وقفت مكاني وبصيت ورايا.
كان كريم أخو العريس.
كان واقف من على كرسيه، عينيه ثابتة عليا، وملامحه فيها حاجة مش مفهومةمش شفقة ولا فضول كأنه عارف حاجة الباقيين مش شايفينها.
اتكلم بصوت مسموع لكل الموجودين
هي مش هتمشي.
همهمة خفيفة انتشرت بين الضيوف.
العريس نفسه بص له بدهشة
كريم إيه اللي بتعمله؟
لكن كريم ما ردش عليه.
كان مركز معايا أنا.
مكانها مش هناك لوحدها جنب الحيطة ومش من غير أكل كمان.
ابتسامة رنا بدأت تتشد، ملامحها المثالية فيها أول شرخ.
قالت بنبرة متحكمة
دي مسألة عائلية مش محتاجة تدخل.
وقبل ما يكمل حد حصل اللي محدش كان متوقعه.
رجل في منتصف الخمسينات قام من على الطاولة الرئيسية.
بدلة فخمة، حضور تقيل وصوت لما اتكلم سكت القاعة كلها.
لا محتاجة.
كل الرؤوس اتلفتت ناحيته.
ده كان شريف الدمنهوري.
المدير التنفيذي للشركة اللي نص الحضور بيشتغلوا فيها أو بيحلموا يشتغلوا فيها.
اتقدم خطوة وبص عليّ مباشرة.
أنا مستغرب إن محدش لاحظ لحد دلوقتي إن أهم شخص في القاعة دي قاعد لوحده.
الهمسات عليت.
ناس بتبص لبعضها بعدم فهم.
أبويا ضحك ضحكة متوترة
واضح إن في سوء تفاهم يا فندم دي بنتي، بس
أنا عارف كويس هي مين.
قاطعه شريف بهدوء، لكن بنبرة قاطعة.
السؤال الحقيقي هو إنتوا عارفين؟
السكوت بقى تقيل.
قلبي كان بيدق مش خوف.
لكن لحظة انتظار.
اللحظة اللي كنت عارفاها جاية.
يمكن تحبوا تعرفوا
كمل شريف، وهو بيبص حوالين القاعة،
إن الشركة اللي أنا ماسك إدارتها نص أسهمها مش ملكي.
بصّ ليا تاني.
وابتسم ابتسامة خفيفة.
هي صاحبة الحصة الأكبر.
الصمت بقى صدمة.
كأن القاعة كلها اتسحبت منها الهوا.
أمي فتحت بوقها بس مفيش صوت طلع.
وأبويا وشه شحب فجأة.
إيه؟!
طلعت من رنا بصوت مكسور.
واحدة من الوصيفات همست
يعني هي مليونيرة؟
أكتر من كده بكتير.
رد شريف
بهدوء.
أنا ما اتحركتش.
كنت واقفة بتفرج.
لأول مرة مش أنا اللي تحت الميكروسكوب.
هما.
وكل التحويلات البنكية اللي كانت بتدخل البيت سنين
كمل،
ما كانتش مساعدة عادية كانت استثمار.
بصّ لأبويا مباشرة
استثمار في عيلة للأسف ما استاهلتش.
القاعة انفجرت همس.
رنا رجعت خطوة لورا، إيدها بترتعش.
إنتي إنتي ما قولتيش!
ضحكت ضحكة هادية، بس فيها وجع قديم.
عمرك سألتي؟
سكتت.
لأول مرة ما عندهاش رد.
كنتوا شايفيني مجرد حمل حاجة بتتصرف عليها.
بصّيت لهم واحد واحد.
بس الحقيقة إني أنا اللي كنت شايلة الكل.
أبويا حاول يتكلم
إحنا ما كناش نعرف
ما كنتوش عايزين تعرفوا.
قطعته بهدوء.
الصمت رجع تاني بس المرة دي تقيل أكتر.
كريم اتحرك ناحيتي، وقف جنبي.
مش بيحاول يلمسني بس وجوده كان كفاية.
دلوقتي قال وهو بيبص للكل،
ممكن حد يشرح لي ليه الشخص ده كان قاعد لوحده؟
ولا صوت.
حتى الموسيقى وقفت.
أنا خدت نفس عميق
وبصّيت على الباب اللي كنت لسه همشي منه.
بس المرة دي ما كنتش ههرب.
رجعت خطوتين لورا ناحية القاعة.
لا قلت بهدوء،
أنا مش همشي.
بصّيت لأختي، اللي ابتسامتها اختفت تمامًا.
أنا لسه ما خلصتش.
وللمرة الأولى في حياتي
أنا اللي بدأت أكتب باقي القصة.
الجزء الثالث
القاعة كانت لسه تحت تأثير الصدمة
الهمسات بقت أعلى، والعيون كلها اتحولت من الفرجة عليّ للتركيز عليهم هما.
أمي كانت أول واحدة حاولت تلمّ الموقف.
اتقدمت بخطوات سريعة، ابتسامة متصنعة على وشها، وقالت بصوت واطي لكن مسموع
يا حبيبتي أكيد في سوء تفاهم. تعالي اقعدي معانا.
بصّيت لها نفس الست اللي من شوية ما قدرتش حتى تبص في عيني.
دلوقتي افتكرتي إني بنتك؟
وشها شحب والابتسامة اتكسرت.
أبويا تدخل بسرعة، بنبرة فيها توتر واضح
مش وقته الكلام ده إحنا عيلة، وكل حاجة تتحل بينا.
ضحكت بسخرية خفيفة
عيلة؟ إمتى؟ لما
كنتوا بتاخدوا فلوسي؟ ولا لما كنتوا بتسيبوني أتذل قدام 200 واحد؟
الكلمات نزلت تقيلة وكل واحد في القاعة حس بيها.
رنا كانت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك، كأن الأرض شدت رجليها.
بس فجأة
تم نسخ الرابط