الجزء الثاني

لمحة نيوز

لم يمدّ كريم الجمال يده إلى الدفتر في البداية.
ظل ينظر إليه وكأنه ملف سري… شيء هش لا يخصه، لكنه في الوقت نفسه يتهمه بوضوح موجع.
كانت الصفحات مليئة بأعمدة كاملة: خبز، أرز، غاز، صابون…
تواريخ معدلة بخط اليد، عمليات طرح صغيرة، دوائر حول أرقام تافهة.
وفي الهامش جملة واحدة:
"لو ما فطرتش يومين… هعرف أوفر حق الحفاظات."
عادت سارة بكوب ماء، وتوقفت فجأة عندما رأته واقفًا أمام الطاولة.
لم تحاول إخفاء الدفتر… ولم تعتذر. لكن لون وجهها اختفى.
قالت بهدوء متعب:
"ما كانش المفروض تشوفه."
رفع كريم عينيه.
أراد أن يقول شيئًا بسيطًا… أن كل هذا سينتهي، أنه سيتكفل بكل شيء، أن امرأة تحمل طفله لا يجب أن تعيش هكذا…
لكنه ابتلع كلماته.
لم يكن تحليل الـDNA قد ظهر بعد… وأدرك أن أي وعد الآن سيبدو شفقة، لا مسؤولية.
جلست سارة ببطء، ووضعت يدها على ظهرها وكأن الحمل بدأ يرهق عظامها.
"أنا مش جاية أستعطفك…
أنا جاية علشان ما تيجيش بعدين تقول إن محدش اداك فرصة تعرف."
كلمة "الطفل" ظلت معلقة بينهما.
سمعها كريم كأنها حجر

يسقط في بئر عميق… صدى لم يكن يريد سماعه.
اقترب من نافذة الشقة الضيقة.
رأى سطحًا مليئًا بالغسيل، وهوائيات مكسورة، وسماء رمادية خانقة.
سأل بخشونة:
"ليه ما جيتيش بدري؟"
ضحكت سارة ضحكة خفيفة بلا فرح:
"علشان يوم الإثنين كنت قررت إن اللي حصل يوم الجمعة ما كانش له معنى… وأنا فهمت مكاني كويس."
شدّ كريم فكه.
تذكر ذلك الصباح… المذكرة، الاجتماعات، المستثمرين… وكيف كان يضع مشاعره في درج مغلق.
كان دائمًا "عمليًا".
والآن فهم أن العملية أحيانًا… مجرد طريقة مهذبة للهروب.
قال مدافعًا:
"أنا ما طردتكيش."
ردت بهدوء مؤلم:
"ما كانش لازم… الناس اللي زيك مش دايمًا بيقفلوا الأبواب… أحيانًا بس بيغيروا نظرتهم."
وقبل أن يرد… طُرق الباب.
دخلت جارة كبيرة في السن، تحمل وعاء شوربة.
نظرت إلى كريم نظرة سريعة، ثم وضعت الوعاء في المطبخ دون سؤال.
"زودتلك القرع علشان يبقى خفيف عليكِ… وما تنسيش تاكلي دلوقتي."
شكرتها سارة بصوت خافت.
وقبل أن تغلق الباب، ألقت الجارة نظرة أخرى على كريم… نظرة فيها حكم صامت.
فهم الرسالة
فورًا:
هنا… هو ليس رجل أعمال كبير.
هو فقط الرجل الذي تأخر كثيرًا.
في الطريق إلى المعمل، اضطروا للنزول أربع طوابق على السلم بسبب عطل المصعد.
راقبها وهي تمسك الدرابزين بيد، وبطنها باليد الأخرى.
عرض مساعدته… لكنها رفضت بهدوء.
ليس تكبرًا… بل لأنها اعتادت ألا تعتمد على وعود قد تختفي.
في العيادة، تعرفت الموظفة على كريم فورًا.
ابتسمت له… ثم تغيرت ملامحها عندما رأت سارة.
قالت:
"المرافِقة ممكن تستنى برا."
نظر كريم إليها ببرود:
"هي داخلة معايا."
اعتذرت الموظفة بسرعة.
سارة لم تشكره… لكنها، لأول مرة، بدت أقل توترًا.
شرح الطبيب الإجراءات ببساطة.
أوراق… عينات… توقيعات…
لكن يد كريم اهتزت وهو يوقّع.
ليس خوفًا من الفضيحة…
بل لأن هذا الاختبار لا يقيس فقط الحقيقة…
بل يقيس حجم جبنه.
إن كان الطفل ابنه… فلن يستطيع تعويض شهور الألم.
وإن لم يكن… فلن يكون بريئًا أيضًا… لأنه اختار حماية نفسه بدلًا من حماية إنسانة ضعيفة.
خرجوا… وبدأ المطر.
فتح كريم المظلة فوقهما.
سارت سارة قليلًا تحتها… ثم ابتعدت قليلًا،
تاركة كتفها تحت المطر.
قال دون تفكير:
"مش لازم تعاقبيني كده."
ردت بهدوء:
"أنا مش بعاقبك… أنا بس بتعود ما أصدقش أي اهتمام مؤقت."
كانت على حق… وهذا ما آلمه.
في نفس المساء، عاد كريم إلى مكتبه.
اجتماع ضخم… صفقة كبيرة… أرقام وملايين.
لكن لأول مرة… بدت له كل هذه الكلمات بلا روح.
تذكر الدفتر… الشوربة… الشقة…
طلب استراحة… ودخل مكتبه.
ومن هناك… تذكر المفتاح الصدئ.
اتصل بإدارة الفيلا وسأل عن "السطح".
جاءه الرد سريعًا:
"مغلق من سنين… مفيش حاجة مهمة."
ابتسم بمرارة…
"مفيش حاجة مهمة"… الجملة التي تُقال عندما يكون هناك شيء مهم جدًا.
في الليل، ذهب إلى الفيلا.
صعد إلى أعلى…
وجد بابًا مخفيًا خلف خزانة.
أدخل المفتاح…
ودار القفل بصوت حاد… كأن كذبة قديمة انكسرت.
فتح الباب.
رائحة رطوبة… أثاث قديم… صناديق… ألعاب… سرير أطفال.
بدأ يبحث…
حتى وجد ملفات باسم والده.
فتح أحدها… ثم الآخر…
حتى وجد ملفًا مكتوبًا عليه:
"اتفاق خاص — عائلة سليم"
تجمد مكانه.
هذا… لقب سارة.
فتح الملف…
صور… أوراق… تحويلات مالية…
وصورة
لطفلة صغيرة…
كانت سارة.
وبجانبها امرأة… أمها.
خلف الصورة جملة:
"علشان ما ينسوش ."
بدأ قلبه يدق بعنف.

تم نسخ الرابط