عزومة عائلية الثاني

لمحة نيوز

الثاني

عندما نادت اسمها… انكسر صوتها:
— ليلى… يا بنتي… الحمد لله إنك فوقتي…
وانهارت بالبكاء بجانب السرير… ذلك البكاء المبالغ فيه الذي كان دائمًا ينجح في الجنازات والمناسبات والخناقات العائلية.
مدّت يدها لتلمس ذراعها…
لكن ليلى سحبت نفسها بسرعة… لدرجة أنها كادت تنزع المحلول من يدها.
هناك… تحت الخوف…
وُلد شيء جديد.
لم يكن حزنًا.
كان… برودًا قاسيًا.
— سامحيني… — قالت نادية وهي تنتحب — أنا كنت عايزة أساعدك بس… قريت إن الصدمات الحرارية بتقوي الأطفال… ماكنتش أعرف إن…
نظرت لها ليلى بثبات.
ما زالت تشعر بأصابعها مغروسة في رقبتها…
ما زالت تتذكر رعب الغرق… وهي تعلم أنها لا تغرق وحدها… بل مع طفلتها.
— إنتي كنتي عارفة إنك بتموتيني.
دخل الأب، حسام، خلفها…
أكبر سنًا… منحنيًا قليلًا… لكنه بنفس الطريقة القديمة… دائمًا يحميها.
— أمك اتعذبت كتير السنين اللي فاتت — قال ببرود — كلنا اتعذبنا.
التفتت ليلى إليه ببطء… ثم عادت تنظر إلى أمها.
وقالت بصوت هادئ مرعب:
— أنا هحاسبكم… على كل دقيقة.
طردتهم.
وبالفعل… خرجوا.
الأشهر التالية كانت إذلالًا مستمرًا.
تعلمت

الجلوس من جديد…
تعلمت حمل كوب بيد مرتعشة…
تعلمت المشي خطوات قليلة بمساعدة… كأنها عجوز في التسعين…
تعلمت الكلام… التنفس… الحياة.
لكن الأصعب لم يكن جسدها…
بل ما فاتها.
لم تفقد فقط 4 سنوات…
فقدت:
ركلة طفلتها الأخيرة في بطنها…
لحظة الولادة…
رائحتها وهي حديثة الولادة…
أول كلمة…
أول مرض…
أول عيد ميلاد…
أربع سنوات… كانت فيها أمًا في الخيال فقط.
أختها سارة زارتها مرتين.
في الزيارة الأولى… لم تستطع حتى النظر في عينيها.
— أنا كان لازم أعمل حاجة… — قالت وهي تبكي — كنت واقفة هناك… افتكرت إن ده مجرد جنان من ماما…
نظرت لها ليلى طويلًا… ثم قالت:
— لا… إنتي ما اتجمدتيش…
إنتي اخترتي ما تتحركيش.
كل مرة كانت تسأل عن زوجها كريم…
كانوا يغيرون الموضوع.
حتى جاءت الحقيقة… على لسان خالتها.
— اللي عملته أمك كان محاولة قتل.
ثم أخرجت ملفًا…
تقارير… شهادات… أوراق…
وأخبرتها الحقيقة كاملة:
العائلة كلها كذبت.
قالوا إنه حادث.
قالوا إنها انزلقت.
حتى… زوجها.
في البداية دافع عنها…
ثم بدأ يختفي…
ثم طلب الطلاق.
وبعد 16 شهرًا… حصل على حضانة الطفلة…
بمساعدة شهادة أهلها.

ثم… تزوج.
وانتقل إلى القاهرة الجديدة…
وترك الطفلة عند جدّيها.
— اسمها إيه؟ — سألت ليلى بصوت مكسور.
— ريتال… الاسم اللي إنتي كتبتيه بإيدك.
بكت ليلى لأول مرة.
ليس على زوجها…
ولا على أمها…
بل على ابنتها.
طفلة تحمل اسمها…
لكن لا تعرفها.
قالت لها خالتها:
— يا تفضلي مكسورة…
يا تحاربي… الاتنين مع بعض مش هينفعوا.
اختارت الحرب.
بدأت من الصفر.
شغل بسيط…
شقة صغيرة…
حياة جديدة…
لكن بقلب مشتعل.
المحامين قالوا لها:
“صعب ترجعي بنتك…”
لكن محامية واحدة، ياسمين عبدالله، قالت:
— هنا مش اللي اتظلم أكتر هو اللي بيكسب…
اللي يثبت أكتر هو اللي بيكسب.
وبدأت المعركة.
الدليل الأول جاء من صديقتها…
أمها لم تتصرف بعشوائية…
بل بحثت عن “طريقة” على الإنترنت…
طريقة لتعذيب الحامل بالماء!
تعليقات… أسئلة…
كلها باسمها الحقيقي.
الدليل الثاني…
شاهدة.
امرأة كانت موجودة يوم الحادث.
قالت:
— أمك ما سابتكش… غير لما جسمك سكن.
القضية عادت للحياة.
وفي المحكمة…
حدث ما لم يتوقعه أحد.
انهارت نادية.
واعترفت.
اعترفت أنها كانت تعرف…
واعترفت أنها كذبت…
واعترفت أن الجميع كذب.
حتى زوجها.

بعد 3 أسابيع…
صدر الحكم.
تم سحب الحضانة من الجدّين.
وعادت الطفلة إلى أمها… تدريجيًا.
لكن…
مقابلة ابنتها كانت أصعب من مواجهة أمها.
في أول لقاء…
دخلت ريتال…
فستان وردي…
وعيون تشبه أبيها.
نظرت إليها… كغريبة.
— أنا ليلى… — قالت بهدوء.
— جدتي قالت إنك ماما… بس كنتي نايمة.
ابتلعت دموعها:
— صح… بس صحيت.
— قالت ممكن تنامي تاني…
تلك الجملة…
كانت أقسى من كل شيء.
لكنها ابتسمت:
— لا… أنا هنا.
جلستا معًا…
تشاهدان رسومات…
تضحكان…
بدون حضن.
وبدأت الرحلة.
ببطء…
حديقة…
مذاكرة…
حكايات قبل النوم…
حتى…
قالت لها يومًا:
“ماما”
وبعد سنة…
أصبحت معها بالكامل.
انتقلتا إلى بيت صغير…
ومعهما كلبة صغيرة اسمها عسل…
وضجيج… وحياة… وضحك.
بعد سنوات…
وصلتها رسالة من أمها…
اعتذار طويل.
لكن ليلى ردت بجملة واحدة تقريبًا:
“أنا مش بسامحك…
بس كمان مش هعيش أكرهك.”
وفي أول يوم مدرسة لابنتها…
وقفت تراقبها وهي تدخل…
بحقيبة صغيرة…
وقلب كبير.
وشعرت أخيرًا…
بشيء لم تشعر به منذ سنوات:
السلام.
ليس غفرانًا…
بل سلام.
لأن ابنتها الآن تعرفها…
تعرف أنها ستعود لها…
تعرف أن أمها ليست نائمة…
ولا
ضعيفة…
ولا غارقة.
وهنا فهمت ليلى الحقيقة الوحيدة:
أقوى انتقام…
ليس الكراهية…
بل أن تعيش…
وتستعيد ابنتك…
وتتنفس من جديد…
في عالم حاول أقرب الناس أن يسلبه منك.
النهاية.

تم نسخ الرابط