الجزء الاخير بقلم محمد عبده
الثاني والاخير
عندما فُتح الباب ببطء… صدر صرير خافت، وكأن حتى المفصلات كانت مترددة في كشف ما بداخل ذلك المنزل الصامت في الإسكندرية.
لكن ما رأته سارة… لم يكن أبدًا ما تخيلته خلال لياليها الطويلة المليئة بالخوف والأسئلة.
كانت غرفة المعيشة… فارغة تمامًا.
لا أريكة… لا طاولة… لا صور…
لا أي أثر لحياة عاشتها هنا يومًا مع كريم.
وكأن أحدهم محا وجودها بالكامل… ولم يترك سوى فراغ بارد وذكريات باهتة.
شعرت بضيق حاد في صدرها.
— “إيه اللي بيحصل هنا؟” همست بصوت مرتجف.
فجأة… جاء صوت هادئ من خلفها:
— “ادخلي.”
التفتت بسرعة، وضمت طفليها إليها بحماية غريزية.
كانت نفس المرأة.
لكن شيئًا فيها تغيّر…
لم يعد هناك ذلك البرود أو التعالي، بل نظرة ثقيلة… أقرب للإنسانية.
تمسّك الطفلان بملابسها، وهمس ابنها:
— “ماما… أنا خايف.”
— “أنا معاك… مش هيحصلك حاجة.” قالت رغم ارتجاف يديها.
دخلت ببطء… وكل خطوة كانت
— “هو فين؟” سألت بصوت متوتر.
صمتت المرأة لحظة… ثم قالت:
— “مش هيرجع.”
ارتجف جسد سارة بالكامل.
— “يعني إيه مش هيرجع؟!”
أخذت المرأة نفسًا عميقًا:
— “هو مشي… بس مش بالطريقة اللي في بالك.”
فقدت سارة صبرها:
— “اتكلمي بوضوح!”
أخرجت المرأة ملفًا سميكًا من حقيبتها، ووضعته أمامها.
— “في حاجة لازم تفهميها… أنا عمري ما كنت على علاقة بيه.”
تجمدت سارة.
— “إنتي بتقولي إيه؟!”
— “أنا مش عشيقته.” قالت بثبات.
ساد الصمت.
— “أمال كل ده كان إيه؟!”
اقتربت المرأة قليلًا وقالت:
— “كان تمثيل… كله كان متخطط.”
انفجرت سارة غضبًا:
— “تمثيل؟! إنتي عارفة أنا وولادي عدّينا بإيه؟!”
انكسر صوتها وهي تتذكر كل شيء…
لكن المرأة لم تتراجع.
— “أنا عارفة… وآسفة… بس ده كان الحل الوحيد علشان نحميكي.”
— “نحميني من إيه؟!”
نظرت لها مباشرة وقالت:
— “من جوزك.”
سكتت سارة… وكأن الأرض انسحبت من تحتها.
— “هو داخل في مشاكل مع ناس خطرين جدًا… مش مجرد ناس عاديين.”
— “ناس إيه؟”
— “عليه ديون كبيرة… والناس دي مش بتسامح.”
كل كلمة كانت كأنها ضربة.
— “مش ممكن…” همست.
فتحت الملف…
حسابات… رسائل تهديد… أرقام مخيفة.
الحقيقة كانت واضحة.
— “ليه ما قالّيش؟”
— “كان مكسوف… وكان فاكر إنه كده بيحميكم.”
ضحكت بمرارة:
— “يطردنا؟!”
— “أيوه… كل ما تبعدي عنه… تبقي أقل قيمة بالنسبة لهم.”
امتلأت عيناها بالدموع…
— “وإنتي تبقي مين؟”
نظرت لها المرأة وقالت:
— “اسمي نادين… وأنا بشتغل مع الناس اللي هو مديون لهم.”
تجمدت سارة.
— “بس أنا كمان أم…” أضافت بهدوء.
ثم تابعت:
— “لما شفت ملفك وولادك… عرفت إنكم مالكوش ذنب… فاتفقنا.”
— “اتفقتم على إيه؟”
— “إنه يختفي خالص… وما يرجعش ليكي تاني… مقابل إنكم تعيشوا بأمان.”
توقف قلبها لحظة.
— “يختفي؟!”
— “أيوه.”
— “ووافق؟”
هزت رأسها:
— “ما كانش عنده اختيار.”
— “هو عايش؟”
ترددت
— “أيوه… بس مش هتشوفيه تاني.”
نزلت دموع سارة في صمت، وهي تحتضن أطفالها بقوة.
— “طيب… إحنا هنعمل إيه دلوقتي؟”
دفعت نادين الملف نحوها:
— “هتبدأي من جديد.”
— “بإيه؟ إحنا ما بقاش عندنا حاجة…”
أشارت للبيت:
— “لأ… عندك البيت.”
نظرت لها بصدمة:
— “إزاي؟!”
— “البيت بقى باسمك قانونيًا… هو نقله قبل ما يختفي.”
ارتجفت يداها وهي تمسك الأوراق.
— “والفلوس؟”
— “دي كانت فكرته برضه… علشان تبدأي من غير ما تحتاجي حد.”
ساد الصمت…
لكن هذه المرة… لم يكن مؤلمًا.
— “ليه ساعدتينا؟”
ابتسمت نادين ابتسامة هادئة:
— “مش دايمًا نقدر نصلّح كل حاجة… بس نقدر نحمي الأبرياء.”
بعد شهور…
عاد البيت للحياة.
بأثاث بسيط… لكن دافئ.
امتلأت الجدران برسومات جديدة… وضحكات حقيقية.
وجدت سارة عملًا بسيطًا… لكنه شريف.
وأطفالها… عادوا يضحكون.
أما هي…
فأصبحت أقوى مما كانت تتخيل.
وفي ليلة هادئة، نظرت إليهم وهم نائمون… وهمست:
—
ثم ابتسمت والدموع في عينيها:
— “بس ما خسرناش نفسنا… وده أهم حاجة.”
تمت محمد عبده ✍️✍️✍️