صدمة المليونير
الثاني
ساد صمت ثقيل بعد صراخ الحاجة زينب… صمت يكاد يُسمع.
كانت سارة تقف مطأطئة الرأس، تحتضن الطفل ياسين بقوة، وكأنها تحميه من العالم كله.
الطفل، خائفًا من الأصوات العالية، تشبّث بملابسها، ودفن وجهه في عنقها.
مروان قال ببرود مخيف:
— هاته… حالًا.
اقترب منها حتى أصبح على بُعد خطوات قليلة.
لم يكن صوته مرتفعًا… لكن هيبته كانت كفيلة بإرعاب أي شخص.
بيدين مرتعشتين، لفّت سارة الطفل في منشفة نظيفة، وقدّمته له.
أخذه مروان…
لكن ما حدث بعدها صدم الجميع.
ما إن حمله، حتى انفجر الطفل في بكاء مرعب.
بدأ يتلوّى ويرفس، يحاول الهروب من بين ذراعي والده.
مروان تجمّد… لم يفهم.
حاول تهدئته، لكن الطفل رفضه تمامًا.
وفجأة…
مدّ ياسين يديه نحو سارة، وعيناه مليئتان بالدموع…
وقال بصوت متقطع:
— ماما…
توقّف الزمن.
الحاجة زينب وضعت يدها على فمها من الصدمة.
أما مروان… فشعر وكأن الأرض سُحبت من تحته.
هذه الكلمة… لم ينطقها ابنه من قبل.
زوجته
ملأ البيت بالمربيات والألعاب… لكن ترك فراغًا لا يُعوّض.
ابنه… لم يرَ فيه الأمان.
بل وجده في خادمة بسيطة.
ظل الطفل يبكي ويمد يديه نحو سارة…
ومع قلب محطم، أعاده مروان إليها.
بمجرد أن احتضنته، هدأ فورًا… وأغلق عينيه في راحة تامة.
استغلت الحاجة زينب الموقف، وقالت بسرعة:
— دي أكيد عاملة له حاجة! أكيد مسيطرة عليه! لازم نطردها فورًا!
لكن هذه المرة…
مروان انفجر: — اخرسي يا زينب!
اهتزّ المكان من صوته.
ثم نظر لها بنظرة مختلفة… مليئة بالشك والغضب.
— فين المربية؟
— ليه ابني كان مرمي بالحالة دي؟
— وليه دي الوحيدة اللي عرفت تهديه؟
ارتبكت زينب… ولم تجد ردًا.
مروان التفت إلى سارة:
— اتكلمي… وقولي الحقيقة. من إمتى وانتي بتهتمي بابني؟
سارة بلعت ريقها… لكنها قررت تتكلم.
— بقاله سنة يا بيه… تقريبًا كل يوم.
مروان تراجع خطوة، وكأن صدمة ضربته.
— سنة؟!
— أيوه… المربية كانت
— كدب! — صرخت زينب.
لكن سارة رفعت عينيها لأول مرة، وقالت بثبات:
— مش كدب… وحضرتك عارفة ده كويس. لأنها بنت أختك… وانتي اللي مشغلاها وبتغطي عليها.
الصمت هذه المرة كان أقسى.
نظر مروان إلى زينب…
وكان واضحًا عليها الذنب.
في تلك اللحظة، أدرك الحقيقة:
ابنه كان مُهمَلًا… تحت عينه… وبأمواله هو.
أمسك جهاز الاتصال وقال ببرود:
— الأمن… اطلعوا فورًا.
اطردوا زينب برّه… ومش عايز أشوفها هنا تاني.
خلال دقائق، تم إخراجها بالقوة وهي تصرخ وتبكي.
عمّ الهدوء المكان…
مروان وقف واضعًا يده على وجهه… كتفيه تهتز لأول مرة.
أما سارة… فظلت واقفة، تنتظر أن يأتي دورها في الطرد.
قال بدون أن ينظر لها:
— لمي حاجتك يا سارة.
دموعها نزلت فورًا…
حضنت الطفل للمرة الأخيرة، تستعد للفراق.
لكن…
— انتي مفهمتيش — قال مروان وهو يرفع
نظراته لم تعد قاسية… بل مليئة بالندم.
— لمي حاجتك من أوضة الخدم… وهتنقلي تعيشي جنب أوضة ياسين.
سارة تجمّدت:
— يعني إيه يا بيه؟
— من النهارده… مش هتنضفي البيت.
شغلك الوحيد… هو هو.
وأشار إلى الطفل النائم.
— بس مش كمجرد شغالة… أنا عايزك تحبيه. تدي له اللي أنا معرفتش أديه.
اطلبي اللي انتي عايزاه… فلوس، تعليم، أمان… بس متسيبيهوش.
انهارت سارة في البكاء.
— أنا فقدت بنتي من 5 سنين… ومش قادرة أعيش نفس الألم تاني…
اقترب منها مروان بهدوء… لأول مرة يكسر الحاجز بينه وبينها.
— العيلة مش بالدم… ولا بالفلوس…
العيلة هي اللي بتفضل جنبك لما الكل يمشي.
وسكت لحظة، ثم قال:
— انتي أنقذتيه… وأنقذتيني أنا كمان.
ومن يومها…
بدأ القصر يتغير.
لم يعد صامتًا…
أصبح مليئًا بالضحك، بالألعاب، بالحياة.
مروان لم يعد يتأخر في العمل…
صار يعود مبكرًا ليلعب مع ابنه.
أما سارة…
فلم تعد مجرد خادمة.
أصبحت تدرس، تعيش بكرامة، وتجلس على نفس
واستعادت أعظم شيء فقدته يومًا:
قدرتها على الحب… وأن تُحَب.
تمت محمد عبده