الملياردير المتعجرف

لمحة نيوز

وضعت إحدى الممرضات يدها على فمها من الصدمة…
أما الحارس القريب من المصعد، فمدّ يده نحو جهاز اللاسلكي… لكنه لم يتكلم.
أما كريم عزام…
فاكتفى بتعديل أكمام قميصه، وكأنه أنهى أمرًا بسيطًا لا يستحق التفكير.
بالقرب من باب الطوارئ، كان هناك رجل طويل يرتدي معطفًا أسود…
رأى كل شيء.
لم يتدخل.
لم يصرخ.
لم يُظهر أي دهشة.
فقط أخرج هاتفه… كتب أربع كلمات…
وغادر من الباب الجانبي.
كان سيف الدمنهوري.
بعد دقيقة واحدة فقط…
وصل الدكتور محمود السيوفي، رئيس قسم الباطنة، رجل في الستينات، معروف بالحكمة والهدوء.
نظر إلى المشهد:
نورا تستند إلى المكتب، أثر الصفعة يظهر على وجهها…
الطبيب الشاب شاحب…
وكريم واقف بثقة.
واتخذ قرارًا… في أقل من ثلاث ثوانٍ.
القرار الخطأ.
"أستاذ كريم… أعتذر جدًا عن سوء الفهم."
قالها وهو يصافحه.
نورا نظرت إليه وكأن شيئًا باردًا اخترق قلبها.
لكنه لم ينظر إليها…
لم يسأل…
لم يتحقق…
لم يسمع شهودًا.
تكلم كريم فورًا:
"الممرضة دي كانت عدوانية وبتعطل الشغل… وأنا دافعت عن نفسي."
هزّ الدكتور رأسه وكأنه يسمع نشرة جوية.
ثم التفت إلى نورا… بنبرة قاسية:
"

سلّمي الكارنيه… إنتِ مفصولة من الشغل… من دلوقتي."
بعض الكلمات لا تؤلم في لحظتها…
بل في العمق.
لم يكن الطرد هو ما كسر نورا…
بل أن الجميع اختار المال بدل الحقيقة.
اصطحبها اثنان من الأمن إلى غرفة الملابس.
جمعت أشياءها في كيس ورقي.
مرت في الممرات التي أنقذت فيها عشرات الأرواح…
ثم خرجت.
كانت السماء تمطر.
وقفت على الرصيف… بزيها الطبي… ووجهها لا يزال يؤلمها.
فتحت هاتفها…
وجدت رسالة قانونية.
كريم عزام يقاضيها.
في اليوم التالي، تم رفض بطاقتها في السوبر ماركت.
حساباتها البنكية تم تجميدها.
وعندما عادت إلى شقتها…
وجدت إخطارًا بالطرد على الباب.
جلست في الظلام…
تضع يديها على بطنها…
تتنفس ببطء حتى لا يتحول الخوف إلى انهيار.
لقد بنت حياتها…
مناوبة بعد مناوبة… مريض بعد مريض…
وفي يوم واحد…
انهار كل شيء.
لم تبكِ كثيرًا.
ثم نهضت.
أخرجت صندوقًا مخفيًا…
وأخرجت هاتفًا قديمًا…
كانت تشحنه مرة كل عام… "لوقت الحاجة".
ويبدو أن هذا الوقت… قد جاء.
اتصلت برقم تحفظه عن ظهر قلب.
رد سيف من أول رنة.
كان يعلم كل شيء.
كان هناك…
رأى الصفعة…
رأى يدها وهي تحمي طفلها…
رأى
الظلم…
وكان ينتظر فقط… أن تطلب.
قالت بصوت مكسور:
"أنا محتاجة مساعدتك…"
صمت للحظة… ثم قال بهدوء:
"إنتِ مش لوحدك خلاص… ارتاحي… والباقي عليّ."
لكن "الباقي عليّ" عند سيف…
لم تكن تعني انتقامًا أعمى…
بل دقة مرعبة.
في نفس الليلة:
تواصل مع مكتب محاماة كان يجمع أدلة ضد كريم منذ سنوات
اتصل بصحفية مدينة له بمعروف
تحدث مع أعضاء في مجلس إدارة المستشفى
وتواصل مع جهة استثمارية كانت تراقب المستشفى
وفي الصباح…
بدأت الكارثة على كريم.
تم تسريب فيديو كاميرات المراقبة.
واضح.
كامل.
بصوت وصورة.
الاعتداء… التهديد… الصفعة…
كل شيء.
تحول الخبر إلى فضيحة:
"رجل أعمال يعتدي على ممرضة حامل داخل العناية المركزة"
ثم جاءت الضربة الثانية:
ملف كامل عن فساده المالي…
أدلة… تحويلات… حسابات…
بدأت شركاته تنهار.
انسحب المستثمرون.
سقطت سمعته.
حاول الهروب…
لكن الأوان كان قد فات.
أما المستشفى…
فتم شراء ديونها عبر شركات غير مباشرة…
حتى أصبح سيف هو المتحكم الحقيقي.
تمت إقالة الدكتور المسؤول…
وفتح تحقيق ضده.
أما نورا…
لم تعد فورًا.
احتاجت وقتًا لتشفى…
عاشت في مكان هادئ…
بعيد عن
كل شيء…
حتى جاء اليوم الذي أنجبت فيه طفلتها.
طفلة جميلة… بعينين واسعتين…
سمّتها:
أمل
عندما حملتها…
شعرت أن العالم عاد إلى مكانه الصحيح.
كان سيف يقف بجانب النافذة…
ينظر إلى الطفلة… بشيء لم يظهر عليه من قبل:
الحنان.
"شبهك…"
قالها بهدوء.
ابتسمت نورا:
"يارب تاخد النسخة الحلوة مني."
ضحك بخفة:
"يبقى هتبقى قوية جدًا."
بعد أيام…
عرضت إدارة المستشفى الجديدة على نورا العودة…
ليس فقط كممرضة…
بل مشرفة على العناية المركزة.
وافقت… لكن بشروط:
حماية الطاقم الطبي
قوانين ضد الاعتداء
لا امتياز لأي متبرع
العدالة قبل المال
وتمت الموافقة على كل شيء.
في أول يوم عودة…
مرت في نفس الممر…
لكن هذه المرة…
كل شيء تغيّر.
على المدخل…
لوحة جديدة…
بدل اسم كريم…
مكتوب:
"صندوق أمل لدعم الأمهات والكوادر الطبية"
ابتسمت… ومشت.
وفي الخارج…
وجدت سيف… يحمل الطفلة بطريقة غير متقنة… لكنها مليئة بالحب.
قالت له:
"عارف أغرب حاجة؟… كنت فاكرة إن الحياة الطبيعية لازم أعيشها لوحدي."
رد بهدوء:
"وأنا كنت فاكر إن حمايتك معناها أبعد عنك."
ابتسمت وهي ترتب غطاء الطفلة:
"أوقات… الحماية معناها
تفضل."
هز رأسه.
ركبت السيارة…
قبلت جبين ابنتها…
ونظرت للمستشفى… بدون غضب هذه المرة.
ثم ابتسمت…
ولأول مرة بجد… كل حاجة كانت ماشية صح.

تمت محمد عبده 

تم نسخ الرابط