الست ام حسن
الجزء الثاني
— حسن! ادخل البيت فورًا!
صرخت أم حسن، كاسرة القاعدة التي تمنع رفع الصوت أمام هؤلاء الرجال.
لكن حسن لم يتحرك.
عيناه كانتا معلقتين برزم المال الملقاة على الأرض…
بالنسبة لطفل عاش الجوع لسنوات… لم تكن مجرد نقود…
كانت طوق النجاة.
ضحك زعيم العصابة ضحكة خشنة:
— شكله راجل البيت عنده كلام… اتفضل يا ولد، قول. فين الشاب؟ بالفلوس دي تقدر تهرب بأمك وإخواتك من الفقر ده.
قبض حسن يده بقوة…
الصمت كان خانقًا…
الصراع في عينيه كان مؤلم… بين الضمير… والبقاء.
— إحنا…
بدأ صوته يرتجف…
تقدمت أم حسن خطوة، مستعدة تستقبل الرصاصة بدلًا منه…
لكن حسن خفض رأسه وقال بأسنان مطبقة:
— إحنا مش خونة… أبويا علّمنا إن الفلوس اللي فيها دم بتلعن صاحبها… أمي قالت لك مفيش حد هنا… خد فلوسك وامشي.
سكون مرعب سيطر على المكان…
الرجال
في انتظار الإشارة.
أغمضت أم حسن عينيها…
لكن المفاجأة…
الزعيم ابتسم بسخرية… وانحنى، أخذ المال، وقال:
— عندكم جرأة… بس الجبل صغير… هنفتش المكان. لو طلعتم بتكدبوا… هرجع… ومش هرجع بفلوس… هرجع بجاز… وأولع في البيت عليكم كلكم. عندكم 12 ساعة تفكروا.
ثم رحلوا… تاركين خلفهم غبارًا… وموعدًا مع الموت.
بمجرد اختفاء صوت السيارات…
انهارت أم حسن على الأرض.
ألقى حسن الساطور وبدأ يبكي…
بكاء مليء بالغضب والخوف.
سحبته أمه للداخل بسرعة…
وهنا… انفجرت الحقيقة.
— كنا ناخد الفلوس!
قال حسن بصوت مكسور وهو يشير للأرض
— هنموت عشان واحد غريب! عماد تعبان… البنات جعانة… وهو مش من دمنا!
صفعته أمه…
صفعة مليئة بالألم… لا بالكراهية.
— إحنا مش قتلة يا حسن!
قالت وهي تبكي وتضمه
— لو سلمناه يبقى بقينا زي
وفجأة…
صوت كحة ضعيف خرج من تحت الأرض.
— يا ست…
صوت الشاب عماد المختبئ تحت الأرض.
رفعت أم حسن اللوح بسرعة…
كان شاحبًا… ينزف… لكنه واعٍ.
— جوزك… كان اسمه إيه؟
تجمدت…
— كان اسمه حسن الكبير… مات من سنتين في حادث منجم…
هز الشاب رأسه… ودمعة نزلت من عينه:
— مفيش حادث… أنا كنت هناك…
اقترب حسن الصغير، والغضب في عينيه:
— بتقول إيه؟!
— الناس اللي كانوا هنا… هم اللي خطفونا… كانوا بيجبرونا نحفر أنفاق… أبوك دافع عني… والزعيم نفسه هو اللي ضربه بالنار… ودفنوه… وأنا هربت ومعايا دليل…
الصمت…
ثم الصدمة…
أم حسن شعرت أن الأرض تهتز تحتها…
الرجل اللي قتل زوجها… كان واقف من دقائق قدامها…
وبيقدم لها فلوس… من دمه.
انهار حسن على ركبتيه:
— سامحيني يا أمي…
لكن أم حسن لم تبكِ…
الخوف
وحل مكانه نار لا تنطفئ.
— مش هنستنى 12 ساعة…
قالتها بحزم
— هنمشي دلوقتي.
خرجوا ليلًا…
في الساعة 3 الفجر…
ساروا في الجبل على أقدامهم.
أم حسن تحمل الطفل…
عماد والتوأم يمشون بصمت…
وحسن يحمل الشاب الجريح على كتفه…
8 ساعات من العذاب…
برد… تعب… خوف…
وصوت سيارات يبحث عنهم.
اختبأوا داخل كهف…
كتم حسن فم أخوه حتى لا يسعل…
وأرضعت الأم طفلها ليبقى صامتًا…
ثم الشمس…
حرارة قاتلة… بلا ماء…
لكن أم حسن لم تتوقف.
— عشان أبوكم…
كانت ترددها.
وأخيرًا…
رأوا الطريق…
ثم… الأمل…
كمين للجيش.
ركضت أم حسن تصرخ…
تم إنقاذهم…
وسلّم الشاب الأدلة…
وفي نفس اليوم…
تم القبض على زعيم العصابة.
بعد أسابيع…
تم العثور على جثمان الأب…
ودفنوه بكرامة.
تم نقل الأسرة إلى مكان آمن…
والشاب عماد عاش معهم…
وأصبحت أم حسن… أمًا لستة أبناء.
فقدوا
جاعوا… تألموا…
لكنهم انتصروا…
لأنهم اختاروا الصح… حتى وهم لا يعرفون الحقيقة.
تمت محمد عبده