خرجت من غير حاجه
خرجت من غير حاجه
الثاني
خرج طليقي من محكمة القاهرة وهو يبدو كأنه كسب كل حاجة.
كان مبتسم… مرتاح… شبه منوّر من الفرحة.
المطر كان بينزل بهدوء على السلم، لكنه ما كانش شايفه أصلاً. كانت ماسكة دراعه خطيبته الجديدة "سارة"، لابسة كعب عالي مش مناسب للجو، ومعطف… أنا اللي كنت دافعة تمنه.
قالت له بثقة:
"مش قلت لك؟ كله ظبط."
ابتسم بغرور:
"طبعًا."
وبصوت عالي يخلي الكل يسمع، ضحك وقال:
"سيبتها من غير حاجة… نشوف هتعيش إزاي بقى."
كان بيتكلم عني.
عن الست اللي عاشت سنين تبني معاه حياة.
أو على الأقل… ده اللي هو فاكره.
قبلها بساعة، كنت في الشقة اللي كنا عايشين فيها في مدينة نصر، بلم هدومي في أكياس سودا تقيلة.
المكان بقى مهجور… علب مرمية، هوا تقيل، ريحة بيرة باينة مع حاجة تانية مش عايزة أسميها.
هو كان مرمي على الكنبة، بيقلب في القنوات كأن مفيش حاجة حصلت…
كأنّي مش موجودة.
قال من غير ما يبص:
"إوعي تقربي من الصندوق ده… دي عدتي. وخلصي بسرعة، أمي جاية تقيس الشبابيك."
قفلت
"الشقة دي بتاعتي أنا كمان… إحنا الاتنين دفعنا فيها."
ضحك باستهزاء:
"اتدفعت من حسابي… ومش هتعرفي تثبتي حاجة."
وبعدين بصلي بنفس الابتسامة اللي كنت فاكرة إنها جاذبية:
"لمي حاجتك… من بكرة مش عايزك هنا. سارة مش هتدخل المكان ده."
الباب اتفتح فجأة.
دخلت أمه كأن الشقة بقت ملكها، ماسكة شريط قياس وبتبص حوالين.
"الإضاءة وحشة جدًا… دي هتتغير"، قالت،
وبصت على الشنط:
"والقرف ده كله لازم يمشي."
وقفت لحظة…
وفي اللحظة دي، كل حاجة جوايا وضحت.
مش حزن.
مش غضب.
وضوح.
قلت بهدوء:
"تمام."
وقفلت آخر كيس.
"هاخد كل الزبالة معايا."
هو ما فهمش.
والناس اللي زيه… عمرهم ما بيفهموا.
خرج من المحكمة وهو حاسس إنه كسب.
لحد ما موبايله رن.
أنا ما كنتش هناك… بس متخيلة كل تفصيلة.
رد عادي:
"أيوه؟"
سكت…
وبعدين التوتر بدأ يظهر…
"إيه يعني الفلوس اتحولت؟! إزاي؟ ومين وافق؟!"
لأنه لما فتح تطبيق البنك…
شاف الصدمة.
الحساب المشترك؟
فاضي تقريبًا.
مش متسرق.
مش متجمد.
اتحوّل.
بشكل قانوني.
بواسطتي أنا.
بس دي ما كانتش البداية.
قبل الطلاق بـ 3 شهور، لقيت الرسالة اللي غيرت كل حاجة.
كان سايب اللابتوب مفتوح، وظهرت رسالة من "سارة":
"حوّلت الفلوس قبل ما تشوف الإخطار الضريبي؟ ومامتك قالت إن عقد الملكية في صندوق العدة."
من اللحظة دي… كل حاجة بدأت تقع.
فتحت الصندوق اللي كان مانعني أقرب له.
ما كانش فيه عدة بس.
كان فيه قاع سري.
جواه فلوس… أوراق… توقيعات مزورة…
حاجات باسمي أنا… وأنا عمري ما وقعت عليها.
في اللحظة دي…
بطلت أكون زوجة.
وبقيت شاهدة.
ما واجهتوش.
وثّقت كل حاجة.
صور… تحويلات… إيصالات… توقيعات…
كل كذبة هو فاكر إني مش هعرفها.
فلما المحكمة ما دققتش كفاية…
ما كانش فارق.
لأني أنا كنت عاملة شغلي.
الفلوس اللي حولتها…
ما كانتش سرقة.
كانت حماية.
حطيتها في حساب قانوني قبل الجلسة بساعة بالظبط.
في الوقت المناسب.
مشوفتوش لما رجع البيت…
بس هو حكالي بعد كده.
الجرس رن.
مرة… واتنين… وبعدين أكتر.
فتح الباب…
لقى كرتونة صغيرة
عليها اسمي… واسمه.
جواها؟
كل حاجة.
نسخ من الأوراق.
تحويلات.
أدلة تزوير.
وكمان إخطار رسمي مرفوع ضده.
اتصل بيا 17 مرة الليلة دي.
رديت مرة واحدة.
قال:
"إنتي حولتي الفلوس."
قلت:
"أيوه."
قال بعصبية:
"ده سرقة."
قلت بهدوء:
"لا… ده دليل."
سكت…
وبعدين قال بصوت واطي:
"إنتي كنتي عارفة؟"
قلت:
"في الأول لا… كنت فاكرة إنك بس بتخوني."
سكت تاني…
"عايزة إيه؟"
السؤال ده دايمًا بييجي متأخر.
قلت:
"عايزة اسمي… وكل حاجة استخدمته فيها."
في الآخر…
ما أخدش الشقة.
القضية اتفتحت تاني.
الحسابات اتجمدت.
والتحقيقات بدأت.
وحياته اللي كان فاكر إنه أمنها…
وقعت حتة حتة.
بعد أسابيع، نقلت لشقة صغيرة… في المعادي.
مش مثالية…
بس بتاعتي.
اشتريت ستاير بنفسي.
مش لون هادي…
حاجة جريئة… شبهّي.
بعد شهور، وصلني طرد صغير.
كان فيه آخر حاجة رجعتلي…
صندوق العدة.
فاضي.
مفيش سر فيه.
بصيت له شوية…
وبعدين شيلته.
مش لازم كل حاجة تفضل قدامك
عشان تثبت إنك عديت منها.
هو ضحك وقال إني
بس الحقيقة…
أنا ما خرجتش فاضية.
أنا خرجت بالحقيقة.
والحقيقة…
هي الحاجة الوحيدة
اللي هو ما كانش يقدر يخسرها.
تمت محمد عبده