رجل الجبل محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء 2
لم يحتج إياد السروي سوى لحظة تردد في نظرة أحد العمال داخل المقهى حتى حدّد الركن الذي يقف فيه سليم الجبالي كجدار صلب لا يُكسر.
تقدم ببطء، بينما وضع المقدم قاسم واثنان من مساعديه أيديهم على أسلحتهم. لم يخرج سليم سكينًا ولا بندقية… فقط انتظر.
وحين حاول إياد دفعه بمسدسه، أمسك سليم بمعصمه بقوة وحشية جعلت العظم يئن. انطلقت الرصاصة إلى السقف، وفي نفس اللحظة رماه سليم فوق طاولة فتهشمت.
انفجر المكان في فوضى: كراسي تتطاير، زجاج ينكسر، وصرخات تملأ المقهى. بعض رجال البلدة انقضّوا على رجال الشرطة الفاسدين الذين كانوا يكرهون قاسم منذ زمن.
فتح النادل باب المطبخ الخلفي وهو يصرخ: — اخرجوا من هنا!
لم يتردد سليم. أمسك ليلى من ذراعها، وأدخل الطفلة داخل معطفه، واندفعوا إلى الخارج عبر الزقاق الخلفي.
في الخارج، كان الهواء يقطع الجلد مثل الزجاج.
ليلى بالكاد تستطيع الجري… 6 أيام هروب وجوع وخوف. لكنها تبعت سليم بين الحظائر والأسوار المتهدمة حتى وصلوا إلى

ساحة القطار.
هناك كانت الحقيقة: قطار منتصف الليل لم يكن نجاة… بل فخ.
رجال مسلحون يطوقون العربات، والحارس الذي وعد بالمساعدة لم يكن موجودًا.
فهمت ليلى أن الهروب كله كان مُخططًا له من البداية… وأن حسام القناوي كان يضيق الخناق عليها منذ لحظة هروبها.
لم تعد البلدة ملجأً… بل فخًا نهائيًا.
نظر سليم إلى الساحة، ثم إلى العاصفة، ثم إلى الطفلة بين ذراعيه، واتخذ القرار الوحيد الممكن: الصعود إلى الجبل.
بداية الرحلة في الجبال
كانت العاصفة تضربهم بعنف وهم يصعدون بين المنحدرات.
سليم في المقدمة، يفتح الطريق، يحمل الطفلة ويجر ليلى عندما تسقط.
الطفلة، التي قالت إن اسمها أميرة، لم تبكِ ولو مرة واحدة… فقط تشبثت بقميصه.
هذا المشهد كسر شيئًا داخله.
ليلى حاولت المقاومة، لكن الجوع والإرهاق والبرد أسقطوها مرتين. في المرة الثانية جلست على الثلج مستسلمة.
عاد سليم إليها، أمسكها من ذراعيها وقال بحدة: — ما وصلتيش لكل ده عشان تموتي هنا.
ثم جرّها معه حتى وجدوا منجمًا
قديمًا مهجورًا.
المأوى في المنجم
داخل المنجم أشعل نارًا، وفرش أغطية، وسخّن الماء.
هناك فقط بدأت ليلى تستعيد أنفاسها.
ثم قالت الحقيقة التي لم يتخيلها سليم يومًا:
أن حسام لم يتركهما يهربان صدفة…
بل اعترض رسالة الهروب قبل 10 سنوات، وأرسل رجال والدها ليقبضوا على سليم، ثم أعطاها قطعة قماش ملوثة بالدم ليقنعها أنه مات.
وعندما رأته لاحقًا حيًا، هددها بأنه سيقتله إن بحثت عنه.
ليلى لم تتزوج حبًا… بل دُفنت حيّة كي يبقى هو حيًا.
تلك الحقيقة كسرت سليم من الداخل.
ولأول مرة منذ 10 سنوات… لم ينظر إليها بغضب.
نامت الطفلة بجانبهما قرب النار، وتحول المكان المظلم إلى شيء يشبه البيت… ولو للحظات.
لكن الهدوء لم يدم.
فوق صوت الريح، بدأ صوت آخر يظهر…
نباح كلاب.
سليم فهم فورًا: المطاردة لم تتوقف… بل بدأت من جديد.
الجزء 3
لم يكن سليم يعرف الخوف… الجبل لا يرحم من يخاف.
توجه إلى نهاية المنجم، وأخرج 3 عبوات قديمة من الديناميت كان قد خبأها منذ سنوات.
في الخارج، كانت
الكلاب تقترب بسرعة.
وفجأة جاء الخبر الأخير:
المكافأة لم تعد فقط للقبض عليهم… بل أيضًا لإيذاء الطفلة.
حينها انتهى كل شيء داخله.
قبّل سليم جبين ليلى، وغطّى الطفلة جيدًا، ثم خرج إلى العاصفة.
وقف فوق صخرة عالية، يشاهد الرجال والكلاب تحت الثلج.
أشعل الديناميت، ورماه نحو حافة الجبل.
ثم أطلق طلقة واحدة فقط.
انفجر الجبل.
انقلبت الأرض إلى كتلة ثلج هائلة ابتلعت الرجال والكلاب والضوء والصراخ.
اختفى كل شيء تحت الانهيار الجليدي.
عاد سليم إلى المنجم في اللحظة الأخيرة، وأغلق عليه الثلج الممر بالكامل.
النهاية
عندما انتهى كل شيء… لم يبقَ سوى الصمت.
في الربيع، خرج الثلاثة من الجبل.
سليم، وليلى، وأميرة.
انتقلوا إلى مكان بعيد بين الأشجار، بعيد عن رجال السلطة والفساد والخيانة.
تعلم سليم أن يبتسم من جديد عندما تركض الطفلة نحوه.
وتعلمت ليلى أن تنام دون خوف.
وفي الليالي الهادئة… كانوا يجلسون معًا أمام النار.
الجبل كان قاسيًا…
لكن على الأقل لم يكذب.
وبعد 10 سنوات
من الألم…
ما زال هناك حياة لم تُدفن بعد.

تمت محمد عبده 

تم نسخ الرابط