طرقت علي الجدار

لمحة نيوز

الثاني 

شعر كريم الدمنهوري وكأن الزمن انطوى على نفسه وهو يخطو خطوة أخرى داخل الغرفة، محاولًا ألا يحدق كثيرًا في الدم الذي لوّن الملاءات.
كان الهواء ثقيلًا… خانقًا…
كأن كل ثانية تمر تحمل قرارًا لم يفهمه بعد، لكنه بدأ يُطالبه بثمنه.
— "ليان…" كررها بصوت منخفض، كأنه يخشى أن ينهار كل شيء لو رفع صوته.
تحركت الستارة قليلًا…
كأن يدًا ضعيفة حاولت الإمساك بها… ثم استسلمت.
تردد كريم لحظة.
لم تكن طويلة…
لكنها كانت كافية ليشعر أن عبور هذه المسافة سيغيّر حياته بالكامل.
كان يمكنه أن يتراجع…
أن يتصل بالأمن…
أن يتظاهر أنه لم يسمع شيئًا خلف الجدار…
لكنه لم يفعل.
أزاح الستارة.
كانت ليان جالسة على الأرض، تستند إلى الحائط…
وجهها شاحب، شفاهها جافة، وأنفاسها متقطعة وكأنها تفاوض الألم على كل شهيق.
لم يكن الدم من السرير…
بل منها.
من جانبها…
جرح عميق… ملفوف بمنشفة ممزقة.
— "ما… تتصلش بحد…" همست بصعوبة، وعيناها معلقتان به، كأن هذا الطلب هو ما يبقيها واعية.
ارتبك كريم.
— "إنتِ بتنزفي كتير…" قالها بشكل تلقائي.
هزت رأسها بصعوبة:
— "لو حد جه… هما هيعرفوا إني هنا."
كلمة "هما" سقطت في الغرفة كظل ثقيل.
نظر كريم نحو الباب…
لا أحد هناك…
لكن الشعور بأن

أحدهم قد يظهر في أي لحظة، استقر في صدره.
— "مين؟" سأل.
أغمضت ليان عينيها لحظة، كأن جمع الكلمات أصعب من تحمل الألم.
— "مش هقدر أشرح كل حاجة… بس سمعت حاجة امبارح… وإحنا بنتكلم."
عقد حاجبيه:
— "سمعتي إيه؟"
فتحت عينيها…
ولأول مرة، لم يكن فيهما ألم فقط…
بل خوف.
خوف حقيقي.
— "الفندق ده… بيستخدموه… لنقل حاجات… ناس… مش متأكدة… بس شفت حاجة ما كانش المفروض أشوفها."
دار رأسه…
ليس بسبب الكلام…
بل بسبب صدقها.
لم يكن هناك مبالغة…
فقط حقيقة خرجت من شخص لم يعد يملك طاقة للكذب.
أشار إلى الجرح:
— "وده؟ مين عمل كده؟"
ابتلعت ريقها:
— "كنت بحاول أخرج… كان في حد في الممر… زقّني… ما شفتش وشه."
عاد الصمت…
لكن ليس كصمت الليل.
هذا صمت له ثمن.
مرر كريم يده على وجهه…
وشعر وكأن شخصين داخله يتصارعان:
واحد يحل كل شيء بالمال والاتصالات…
وآخر… يريد أن يصدق هذه الفتاة.
— "لازم مستشفى." قال بحزم.
نظرت له بثبات:
— "ولو المستشفى تبعهم؟"
توقف.
لأول مرة منذ سنوات…
لا يملك إجابة.
— "مش هسيبك كده." قالها أخيرًا.
تنفست بصعوبة:
— "يبقى لازم تقرر بسرعة… عشان مفيش وقت."
وكأن كلماتها كانت إشارة…
صوت في الممر.
ضربة…
ثم خطوات…
بطيئة… ثابتة… تقترب.
تسارع قلب كريم.
كل غريزة
داخله كانت تصرخ:
اخرج… ده مش موضوعك…
لكن… نظر إليها.
وتذكر الطرقات الثمانية.
لم تكن لفت انتباه…
كانت استغاثة.
فهم أخيرًا…
لو مشي الآن…
لن يتركها فقط…
بل سيعود لنفس الشخص الذي كان يتجاهل كل شيء.
توقفت الخطوات أمام الباب.
صمت…
ثم محاولة لفتح المقبض.
كان مغلقًا… مؤقتًا.
اقترب كريم من الباب…
وضع يده على المقبض…
ومن الخارج صوت:
— "خدمة الغرف."
لكن النبرة…
لم تكن طبيعية.
باردة… محسوبة.
أغمض عينيه لحظة…
واتخذ قراره.
أدار المفتاح…
ليغلق الباب بإحكام.
ثم ابتعد:
— "مش هدخلهم."
تنفست ليان وكأنها كانت تحبس الهواء منذ ساعات.
بدأ الطرق…
خفيف…
ثم أقوى…
ثم عنيف.
نظر كريم حوله…
لا شيء يمنحه السيطرة.
لأن السيطرة… انتهت.
— "في باب خدمة…" همست ليان… "في آخر الممر."
— "مش بحالتك دي." رد فورًا.
ابتسمت بسخرية مريرة:
— "بحالتي دي… برضه ما ينفعش أفضل."
تجمد.
لأنها كانت على حق.
توقف الطرق فجأة.
صمت…
أخطر من الضجيج.
— "دلوقتي." قال كريم.
ساعدها على الوقوف…
كانت أخف مما توقع…
كأن جزءًا منها بدأ يختفي.
— "لو أغمي عليّ… ما تسبنيش…" همست.
— "مش هسيبك."
ولأول مرة… كان صادقًا تمامًا.
تحركوا نحو الباب…
فتح بحذر…
الممر فارغ.
لكن…
عربة خدمة كانت أقرب من قبل.
قريبة
جدًا.
— "هما قريبين…" تمتم.
خرجوا…
الممر بدا أطول… أضيق…
ليان تستند عليه بالكامل.
في منتصف الطريق…
صوت مصعد يُفتح.
— "يلا!" قال بسرعة.
أسرعوا…
عند العربة…
لاحظ شيئًا.
هاتف صغير… مخبأ بين المناشف.
نظرت له ليان:
— "ده بتاعهم…"
تردد…
ثم أخذه.
في نفس اللحظة…
اهتز الهاتف.
رسالة واحدة:
"غرفة 2318. تأكيد."
تجمد الدم في عروقه.
— "عرفوا…" همست ليان.
وضع الهاتف في جيبه:
— "يبقى لازم نختفي."
اقتربوا من باب الخدمة…
وقبل أن يصلوا…
صوت خلفهم:
— "يا فندم."
توقف.
لم يلتفت فورًا.
— "نسيت تقفل أوضتك." قال الصوت بهدوء غريب.
استدار ببطء…
رجل بزي الفندق…
يبتسم…
لكن عينيه… لا تبتسمان.
تثبتتا على ليان.
— "شكرًا." قال كريم بثبات… "إحنا ماشيين."
مال الرجل برأسه:
— "عارف."
صمت ثقيل.
فهم كريم كل شيء فجأة…
العربة… الهاتف… الباب…
لا شيء كان صدفة.
— "هي محتاجة مساعدة." قال كريم، متقدمًا خطوة أمام ليان.
اقترب الرجل:
— "طبعًا… وإحنا هنتكفل."
ضغطت ليان على يده بقوة…
رسالة صامتة:
لا تثق.
هنا… اللحظة الفاصلة.
إما يسلمها…
ويرجع لحياته…
أو يتمسك بها…
ويواجه المجهول.
اقترب الرجل أكثر…
رأى الدم…
ابتسامته لم تختفِ…
لكن نبرته تغيرت.
أخذ كريم نفسًا عميقًا…
وقال:
"لا."
كلمة واحدة…
لكنها حاسمة.
اختفت ابتسامة الرجل.
عاد الصمت…
وفي تلك اللحظة…
فهم كريم…
أنه لم يعد هناك طريق للعودة.
وأنه لم يعد نفس الرجل…
الذي سمع أول ثلاث طرقات على الجدار.

تمت محمد عبده 

تم نسخ الرابط