دقيقة غيرت كل شئ
الثاني
لم يرفع عمر صوته…
لكن الشيء الصغير في يده كان يرتجف، كأنه يعرف أن هذه اللحظة قادرة على تقسيم حياة كاملة إلى نصفين لا يلتقيان أبدًا.
كان جهازًا أسود صغيرًا جدًا… بحجم ظفر الإصبع تقريبًا، له منفذ معدني يعكس ضوء المحكمة البارد… وكأنه يحمل داخله سرًا أثقل من أن يُحتمل.
لم يفهم أحد.
إلا حازم الدهبي.
في ثوانٍ، اختفى اللون من وجهه… كأن الدم هرب منه، خوفًا من ماضٍ عاد فجأة دون استئذان.
تمتم بصوت ضعيف:
"ده… مستحيل…"
لكن صوته لم يكن فيه أي قوة.
رفع عمر الجهاز أكثر، وقال ببطء:
"ابني اتولد من سبع أيام… وفي نفس اليوم… حد حاول يمسح الحقيقة كلها."
تجهم وجه القاضي.
وتوتر الحراس.
أما سارة… فتوقفت دموعها للحظة، وكأن أملًا خطيرًا بدأ يظهر.
أكمل عمر:
"الجهاز ده كان مخبي في العربية اللي كنت سايقها ليلة الجريمة… وأنا ما شفتوش…
تراجع حازم خطوة للخلف…
خطوة واحدة فقط…
لكنها كشفت كل خوفه.
صرخ أحد المحامين:
"اعتراض!"
لكن صوته كان ضعيفًا… كأنه يحاول إخفاء حقيقة بدأت تظهر بالفعل.
نظر عمر مباشرة إلى حازم وقال:
"أنا كنت شغال عندك… بسوق عربياتك… وبسمع حاجات ما كانش المفروض أسمعها… واتعلمت أسكت."
سكت لحظة…
ثم نظر لابنه الصغير، الذي كان نائمًا بسلام، بعيدًا عن كل ما يحدث.
وقال:
"لكن الليلة دي… أنا ما كنتش الشخص اللي قرر يسكت."
انحنى القاضي للأمام وقال:
"وضح كلامك."
أغمض عمر عينيه لثانية…
كأنها تحتوي كل السنوات التي قد يخسرها… أو يستعيدها.
ثم قال:
"الأستاذ كريم العزبي ما ماتش بإيدي… مات لأنه اكتشف حاجة خطيرة… وقرر يسجلها."
همهمة انتشرت في القاعة.
ثم قال عمر الجملة التي غيرت كل شيء:
"سجّل حازم وهو بيأمر بقتله."
صمت.
ثقيل… نهائي.
هز حازم رأسه بسرعة:
"كذب! كله كذب! تمثيل!"
لكن يديه كانتا ترتجفان.
ضغط عمر على الجهاز وقال:
"أنا لقيت ده امبارح… بس لقيت كمان حاجة تانية."
تقدمت سارة خطوة دون أن تشعر.
قال عمر:
"في التسجيل… مش صوت حازم بس… في صوت تاني."
بدأ قلب سارة يخفق بسرعة.
رفع عمر عينيه نحوها…
ولأول مرة… تردد.
لأنه في تلك اللحظة… لم يكن مجرد متهم…
كان زوجًا.
وكان على وشك أن يدمر… أو ينقذ… آخر ما يملكه.
همست سارة بصوت مكسور:
"عمر…"
ضرب القاضي المطرقة:
"لو عندك دليل… قدّمه الآن."
كان الجهاز في يد عمر كأنه جبل.
يمكنه أن يقول الحقيقة… ويبرئ نفسه…
لكن…
قد يخسر زوجته للأبد.
وقد يكبر ابنه بدون أم وأب.
أغمض عينيه…
تذكر أول مرة ابتسمت له فيها سارة…
تذكر يوم أخبرته أنها حامل…
تذكر أيام الفقر… لكن بالأمل…
ثم تذكر…
التسجيل الآخر.
صوت سارة… وهي
"ما كنتش عايزة أعمل كده… بس محتاجة الفلوس… هو ما ينفعش يعرف…"
فتح عمر عينيه.
الجميع ينتظر.
الصمت أصبح لا يُحتمل.
ثم قال بثبات لأول مرة:
"يا سيادة القاضي… الجهاز ده فيه دليل إن حازم هو اللي أمر بالجريمة."
صرخ حازم، لكن لا أحد اهتم.
ثم أكمل عمر:
"بس فيه كمان حاجة تانية…"
أغلقت سارة عينيها…
كأنها كانت تعرف.
نظر إليها عمر…
ولم يكن في عينيه كراهية…
فقط تعب… وسؤال بلا إجابة.
ثم قال:
"فيه صوت مراتي… وهي بتساعد."
انكسر العالم.
ليس بصوت…
بل بصمت ثقيل يسحق كل شيء.
سقطت سارة على ركبتيها.
لم تصرخ… لم تدافع عن نفسها…
فقط انهارت.
أمر القاضي بتشغيل التسجيل…
وامتلأت القاعة بالحقيقة.
بعد انتهائه…
لم يعد أحد كما كان.
تم القبض على حازم.
وتم القبض على سارة أيضًا.
أما عمر…
فكان لا يزال راكعًا…
يحمل ابنه…
ولا يعرف…
هل كسب شيئًا…
أم
لأن الحقيقة… لا تنقذ دائمًا.
أحيانًا… تترك كل شيء كما هو…
وهذا… أصعب.
تمت محمد عبده