قصة روعة

لمحة نيوز

🟤 الجزء الأول
أول لقمة حاولت سارة تخبيها تحت الترابيزة كانت ريحتها رز بايت… ومليانة إحساس بالكسرة، ومحمود حس إن في حاجة اتكسرت جواه قبل حتى ما يفهم هو شايف إيه.
كان راجع من الإسكندرية قبل ميعاده بيومين، بعد 4 شهور شغل متواصل في القاهرة علشان يوفر فلوس تكفي فترة تعب مراته بعد الولادة.
كان متخيل حاجات كتير أول ما يرجع: ريحة اللبن الدافي، صوت عياط بنته الصغيرة، ابتسامة سارة وهي تعبانة بس فرحانة بوجوده…
بس عمره ما تخيل إنه يدخل يلاقيها قاعدة لوحدها في المطبخ… ضهرها متني… وبتاكل في السر من طبق مكسور… كأنها بتسرق.
النور الأبيض واقع عليها بقسوة… وعلى الترابيزة منديل مبلول وكوباية نصها مية… وطبق فيه رز متغير لونه… واضح إنه بايظ.
ده مش أكل لواحدة لسه والدة… ده مش أكل لأي بني آدم.
— من إمتى وإنتي بتاكلي كده؟ — سأل محمود.
كان عايز يتكلم بهدوء… بس صوته طلع خشن ومليان شك.
سارة رفعت راسها بسرعة… كانت عينيها حمرا ووشها خاسس… ونظرتها مش خوف… قد ما هي تعود.
— مفيش حاجة… بس النهاردة… مكنتش عايزة أرمي الأكل — قالت بصوت واطي.
محمود ساب الشنطة عند الباب وعينيه عليها… جسمه كله شد.
طول الأربع شهور كان بيبعت فلوس بانتظام… كل نص شهر… لأمه، علشان هي اللي أصرت تقعد مع سارة تساعدها بعد الولادة.
كان واثق فيها… وعمره

ما تخيل إنها تخونه بالشكل ده.
بس المنظر ده… مكنش صدفة.
طريقة سارة وهي بتخبي الطبق… وسكوت المطبخ… قالوله إن الموضوع بقاله فترة.
— قولي الحقيقة… ده مش من النهاردة صح؟
سارة سكتت… وإيديها بتترعش… والدموع نزلت على الرز البايظ.
— مكنتش عايزة أزعلك… إنت بتتعب كفاية — همست.
محمود فتح التلاجة…
واتصدم.
طماطمتين مدبلين… نص زجاجة صلصة… علبة فول ناشفة… ولمونة ناشفة.
مفيش لحمة… مفيش خضار… مفيش أي حاجة تدل إنه كان بيصرف.
— ماما عارفة إنك بتاكلي كده؟
سارة سكتت شوية… وبعدين قالت:
— آه.
الكلمة وقعت عليه زي صدمة.
— يعني إيه آه؟ هي اللي بتديكي الأكل ده؟
— بتقول لازم نوفر… وإن الفلوس مش مكفية… وإنك مش فاهم الدنيا غليت قد إيه…
— والفلوس اللي ببعتها؟
— بتستخدمها… بس بتقول في ديون…
ديون؟
محمود عمره ما كان عارف أي ديون بالشكل ده.
وفجأة… سمع صوت باب الشقة.
أمه دخلت… شايلة كيس طلبات… وأول ما شافته، ملامحها اتغيرت.
— جيت بدري — قالت.
محمود رفع الطبق:
— ده إيه؟
— أكل… يعني هيبقى إيه؟ — ردت ببرود.
— ده أكل لواحدة لسه والدة؟
رمت الكيس على الترابيزة بعصبية:
— إنت مش عايش هنا… مش عارف المصاريف… الحفاضات… اللبن… الغاز…
— أنا ببعت فلوس كفاية.
ضحكت بسخرية:
— 15 ألف في الشهر مش كفاية لأي حاجة.
محمود حس إنها بتلف وتدور:
— طب
قولي الحقيقة.
بصتله وقالت ببطء:
— في حاجات إنت متعرفهاش… أنا عملتها علشان توصّل للي إنت فيه.
وساعتها… محمود حس إن اللي جاي هيكسر كل حاجة.
🟤 الجزء الثاني
محمود حط الطبق بهدوء… بس الهدوء ده كان أخطر من أي صوت عالي.
صوت عياط البيبي جه من الأوضة… وسارة قامت… بس حماتها بصت لها نظرة خلتها تقف.
محمود شاف كل حاجة… وفهم إن الموضوع مش وليد اللحظة.
— محدش يتحرك غير لما أعرف الحقيقة.
أمه شبكت إيديها:
— البيت ده ماشي بالتضحيات.
— ديون إيه؟ وليه سارة بتدفع التمن؟
أمه تنهدت:
— لما دخلت الجامعة… استلفت علشانك… وبعدها استلفت تاني علشان أسد الأول…
— ده كان زمان.
— الفوايد كبرت… وأبوك مات… وأنا كملت لوحدي.
محمود حاول يتعاطف… بس منظر سارة وهي بتاكل أكل بايظ قتله من جواه.
— ده مش مبرر.
— مش مبرر؟! أنا اللي بفتح الباب للناس اللي بتيجي تطالب بفلوس!
محمود بص لسارة:
— حد هددك؟
— جم 3 مرات… وقالتلي ما أقولكش علشان ما تسيبش الشغل.
— وكمان خلتك تاكلي أكل بايظ؟
— طلبت مني أستحمل…
ساعتها… سارة اتكلمت لأول مرة:
— أنا استحملت كتير.
وسكتت الدنيا.
محمود حس إنه كان مغفل… مش شايف الحقيقة.
— في إيه تاني؟
— خدت فلوس الفيتامينات… وباعت الجهاز… وقالت الحفاضات كتير على البيبي… وكمان حاولت ترهن دهبي.
— علشان البيت! — صرخت الأم.

— علشان تخبي الحقيقة! — رد محمود.
— بكرة هدفع الدين… بس مراتي وبنتي مش هيعيشوا كده تاني.
— الدين 480 ألف.
الرقم نزل عليه زي الصاعقة.
— وفي جزء… سارة مضت عليه.
محمود بص لها بصدمة.
— أنا كنت خايفة… قالتلي لو ممضتش ممكن يأذوك…
🟤 الجزء الثالث (النهاية)
محمود حس الدنيا بتميل.
— خليتيها تمضي؟
— أنا شرحتلها بس…
— قالتلي إنهم ممكن ييجوا لك الشغل…
الحقيقة ظهرت… أسوأ مما توقع.
أمه مش بس استغلت الفلوس… استغلت الخوف… والذنب… وضغطت على سارة.
محمود افتكر كل اللي عملته أمه عشانه زمان…
بس في نفس الوقت… عدى حد مفيش بعده رجوع.
— الموضوع انتهى.
— هتطردني علشانها؟
— مش علشانها… علشان اللي عملتيه.
محمود قرر:
كلم شغله علشان سلفة… كلم قريبه علشان يساعده… قرر يبيع عربيته…
— هأجر لك مكان تعيشي فيه… وهساعدك 3 شهور… بس من النهاردة… مفيش تدخل في حياتي ولا فلوسي.
أمه انهارت.
— بعد كل اللي عملته؟
— عمري ما هأنكر ده… بس ده مش مبرر تدمري بيتي.
محمود راح لسارة:
— حقك عليا.
وانفجرت في العياط…
تاني يوم بدأ يسدد الدين… واحدة واحدة… بس بشكل حقيقي.
أمه مشيت بعد يومين.
والبيت بقى هادي…
بس مش هدوء خوف…
هدوء بعد عاصفة.
في الليل… محمود سخّن شوربة… وقعد جنب سارة وهي بتاكل بهدوء… من غير ما تخبي الطبق.
وساعتها فهم الحقيقة الأصعب:
مش
كل عيلة بتتصلح بالتمسك بيها… أحيانًا لازم تبعد عن اللي بيكسرها… حتى لو كان أقرب الناس ليك.

حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط