لما الحقيقه تكسر الغرور
اللي كان مرسوم على السور… ما كانش شخبطة ولا تخريب.
الولد، بقطعة فحم وشوية جير لقاهم في الشارع، رسم لوحة تخطف الأنفاس… تفاصيلها كانت دقيقة بشكل مرعب، كأن اللي رسمها فنان كبير مش طفل صغير عايش في الشارع.
كان وش ست.
ملامحها هادية وحنينة، رغم التعب اللي واضح عليها… لكن أكتر حاجة شدت محمود كانت عيونها… مرسومة بدقة غريبة، كأنها بتبص جواه هو بالذات.
وفوق حاجبها الشمال… في علامة صغيرة… زي جرح قديم على شكل هلال.
التفصيلة دي تحديدًا… خلت قلب محمود يقف.
إيده بدأت ترتعش…
وقال بصوت مخنوق: "لا… لا… ده مستحيل…"
دي كانت نجلاء…
الست الوحيدة اللي حبها بجد في حياته…
والست الوحيدة اللي هو بنفسه دمّرها.
رجليه ما استحملتش… ووقع على ركبته قدام السور.
أقوى رجل أعمال في مجاله… بقى فجأة مكسور زي طفل صغير.
دموعه نزلت لأول مرة من سنين طويلة…
"نجلاء…" قالها وهو صوته متقطع.
الولد كان لسه قاعد على الأرض، مرعوب… مش فاهم إيه اللي حصل. الوحش اللي كان جاي يضربه، بقى فجأة بيعيط قدامه.
محمود بصله وسأله بصعوبة: "إزاي… إزاي رسمت دي؟"
الولد مسح مناخيره بإيده وقال: "أنا… أنا
محمود اتصدم: "شفتها؟ فين؟!"
قال الطفل: "كانت بتيجي لي… وأنا نايم في الشارع جنب مسجد سيدنا الحسين… كانت تجيب لي عيش… وتغطيني عشان ما بردش… وكانت تقولّي أستحمل… وما أستسلمش…"
محمود حس إن الأرض بتلف بيه…
نجلاء ماتت من 11 سنة… أو على الأقل… ده اللي هو كان مصدقه.
بلع ريقه وسأل: "اسمك إيه؟"
"يوسف…"
الاسم ضربه زي صاعقة…
ده نفس الاسم اللي نجلاء اختارته لما قالت له إنها حامل…
الطفل اللي المستشفى قالوا له إنه مات وقت الولادة…
الذكريات رجعت له فجأة…
وقتها كان لسه فقير وطموح بشكل أعمى…
ولما نجلاء قالت له إنها حامل… صرخ فيها:
"أنا مش هضيع مستقبلي عشان طفل! خلّصي منه!"
لكن هي رفضت…
وهو سابها ومشي… وما رجعلهاش تاني.
وبعد شهور، سمع إنها ماتت في المستشفى…
وما سألش… ولا حضر جنازتها…
دفن كل حاجة تحت الفلوس… والنجاح…
رجع للواقع وسأل الطفل: "تعرف أبوك؟"
يوسف هز راسه: "لا… ماما قالت إنه راجل مهم… بس وحش… وقالت لي ما أدورش عليه… لأنه مش عايزنا…"
الكلام دخل في قلب محمود زي السكاكين…
قال وهو صوته بيتهز: "و… مامتك اسمها نجلاء؟"
الولد فتح عينه بدهشة: "أيوه!
ساعتها… كل حاجة بانت.
ملامحه… نفس ملامح محمود وهو صغير…
مافيش شك.
ده ابنه.
الابن اللي رماه للشارع بإيده.
محمود حاول يتكلم… لكن الكلمات خانته…
وفي الآخر قالها بصعوبة: "أنا… أنا أبوك يا يوسف…"
الدنيا سكتت.
يوسف اتجمد مكانه… وبعدين رجع لورا وهو بيقول: "لا… كدب…"
محمود مد إيده وهو بيترجاه: "والله ما كنت أعرف… كنت فاكر إنك مت…"
يوسف صرخ فجأة: "إنت كداب!! لو إنت أبويا… كنت فين؟!"
دموعه نزلت وهو بيصرخ: "كنت باكل من الزبالة! كنت بنام في الشارع وأنا بردان! الناس كانت بتضربني! كنت بعيط كل يوم… وإنت عايش هنا في القصر ده!!"
كل كلمة كانت بتجلد محمود…
قال بصوت مكسور: "أنا كنت جبان… وسخ… سيبتك وسيبت أمك عشان الفلوس… ومش طالب منك تسامحني… بس اديني فرصة أصلّح اللي أقدر عليه…"
يوسف قال بعناد: "أنا مش محتاجك…"
لكن صوته كان فيه وجع طفل محتاج حب.
محمود رد بهدوء: "بس أنا محتاجك…"
سكتوا شوية…
يوسف بص للحزام اللي على الأرض… وبص للقصر… وبعدين رسم أمه…
وقال: "لو ضربتني… أو زعقت لي… همشي ومش هتشوفني تاني…"
محمود هز راسه: "أديك عمري كله… بس ما أخسركش
مافيش نهاية مثالية حصلت في اللحظة دي…
ولا حضن ولا تسامح سريع…
بس كان في راجل مكسور… فتح باب بيته لطفل مكسور أكتر.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة جدًا…
يوسف ما كانش بيصدق حد…
كان بيخبّي أكل في الدولاب…
وينام على الأرض…
ويخاف من أي صوت عالي…
ومحمود… اتعلم لأول مرة يبقى إنسان.
قعد بالساعات جنبه من غير كلام…
واحدة واحدة… الطفل بدأ يهدى…
السور الأبيض؟
عمره ما اتدهن تاني.
محمود حط عليه طبقة زجاج تحمي الرسمة…
وبقت أغلى حاجة عنده في حياته.
بعد شهور…
يوسف دخل مدرسة…
ولبس نضيف…
وبقى شكله طفل طبيعي…
وفي يوم، وهو بيأكل مع محمود، سأله: "إنت كنت بتحب ماما بجد؟"
محمود قال بحزن: "كنت بحبها أكتر من نفسي… بس كنت غبي…"
يوسف سكت…
وبعدين لأول مرة… قسم ساندوتشه نصين… واداله نص.
وده كان أكبر دليل حب ممكن يقدمه طفل شارع.
بعد سنتين…
محمود باع جزء كبير من ثروته…
وعمل مؤسسة كبيرة اسمها "مؤسسة نجلاء"
لمساعدة أطفال الشوارع.
وفي الافتتاح…
يوسف هو اللي قص الشريط…
وبص لمحمود…
ما بقاش شايف الوحش…
ولا الراجل القديم…
شاف إنسان بيحاول يصلّح غلطه كل يوم.
ومسك إيده…
مش
ولا عشان مجبر…
لكن عشان…
كل إنسان يستحق فرصة يبدأ من جديد.
حكايات محمد عبدة