قصة جديدة

لمحة نيوز

الثاني 

ابتسمت ابتسامة خفيفة مرهقة.
“أهلاً يا أحمد.”
كان صوتها هادئًا، لكن فيه شيء باهت… كأن ضوءًا تُرك في غرفة فارغة. توقفت على بُعد خطوتين منها، غير متأكد إن كان يحق لي أن أقترب أكثر، وكأن الطلاق رسم بيننا خطًا غير مرئي.
“إيه… إيه اللي جابك هنا؟” سألت، رغم أن السؤال بدا سخيفًا حتى بالنسبة لي.
هزّت كتفها بخفة.
“بستنى.”
ساد الصمت بيننا. صوت خطوات في الممر، عربة معدنية تمر، وممرضة تهمس بشيء. الحياة كانت مستمرة بلا اهتمام بالعاصفة اللي جوايا.
نظرت إلى ملابس المستشفى، وإلى السوار الأبيض في يدها.
“إنتِ تعبانة؟”
ترددت جزءًا

من الثانية فقط. مجرد لحظة… لكني لاحظتها.
“اتشخصت قبل ما تمشي.”
وقعت الكلمات واحدة تلو الأخرى بثقل غريب. بطني اتقبض.
“اتشخصت بإيه؟” همست.
“سرطان…” قالت بهدوء. “سرطان الثدي. في مرحلة بدري، قالوا كده. بس كان كفاية يقلب حياتي كلها.”
جلست على المقعد بجانبها من غير ما أحس بنفسي. دماغي كانت بتطن.
“ليه ما قولتليش؟”
بصّت لي طويلًا. مفيش لوم في عينيها… بس حقيقة.
“قلت لك إني مش قادرة أكمل. قلت لك إني حاسة بالوحدة. إنت كنت خلاص مش موجود يا أحمد… حتى وإنت في نفس الشقة.”
الكلام كان أقسى من أي صراخ.
“بدأت العلاج لوحدي…” كملت. “عملية، وبعدها
كيماوي. أمي كانت بتقعد معايا لما تقدر. والباقي… أنا كنت بخلصه لوحدي.”
مسحت إيدي في شعري، وكنت حاسس بغصة في حلقي.
“أنا افتكرت… افتكرت إنك روحتِ عند أهلك. وإنك عايزة راحة.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“الراحة مش بتشفي كل حاجة.”
قعدنا فترة طويلة. جبت لها شاي من ماكينة المستشفى. مسكت إيديها لما الممرضة قالت إن فيه شوية انتظار. واتكلمنا عن أي حاجة تافهة… أسعار زادت، الجيران اللي بيركنوا عربياتهم بشكل مستفز، وكلب الجيران اللي بيعاوي بالليل.
وفجأة بصّت لي تاني.
“أنا مش بحكي لك عشان تحس بالذنب.”
“بس أنا حاسس بالفعل…” قلت.
هزّت رأسها.
“عارفة.
بس عايزاك تعرف حاجة… أنا عدّيت. وهبقى كويسة. مش عشان كان سهل… لكن عشان ماكنش عندي اختيار غير إني أقاوم.”
لما الدكتور نادى اسمها، قامت ببطء. وقفت أنا كمان.
“ليلى… أنا آسف.” قلتها بصدق متأخر جدًا.
بصّت لي بهدوء.
“عارفة. إنت جيت لما قدرت.”
وبعدين دخلت من الباب الأبيض.
فضلت واقف في الممر، وسط ريحة المطهرات، وحسّيت إن في درس قاسي بيتضغط على صدري: أحيانًا بنمشي مش لأننا وقفنا حب… لكن لأننا خفنا. والخوف بيدفعنا ندفع تمن أغلى من أي حاجة تانية.
هذه القصة مستوحاة من أحداث وشخصيات، لكنها مُعالجة لأغراض درامية، وتم تغيير الأسماء والتفاصيل.

تمت adel elgamel ✍️✍️✍️

تم نسخ الرابط