قصة جديدة
الثاني
كنت واقفة في حمام المحكمة، أضع يديّ على المغسلة، وأحدّق في نسخة من نفسي ما زلت لا أعتاد رؤيتها.
الأضواء الفلورية البيضاء كانت قاسية جدًا، تكشف كل شيء بلا رحمة…
التجاعيد الخفيفة بين حاجبيّ، الندبة الصغيرة قرب خط الشعر، وكيف أن الجاكيت الذي أرتديه لا يستقر بشكل متوازن بسبب آثار الجلد المتصلّب على ظهري.
شدّدت ياقة ملابسي ثم توقفت…
لأنني في كل مرة أمد يدي خلفي، أشعر به هناك… كأنه سطر محفور في جلدي لا يمكن محوه.
اسمي ليلى عبد الرحمن، وقد انتظرت هذا اليوم بالذات ثلاث سنوات كاملة.
طرق خفيف على الباب، وجاء صوت أختي من الخارج:
“ليلى… المحامية قالت إن القاضية مستعدة لدخولنا.”
فتحت الباب، فوجدت سلمى تقف أمامي.
كانت ترتدي فستانًا زهريًا بسيطًا اشتريناه من متجر مستعمل، زرارته الصغيرة كنت قد أصلحتها بيدي في ليلة طويلة.
كانت في الرابعة عشرة الآن… أطول قليلًا، أهدأ، لكنها أكثر وعيًا مما يجب على طفلة في عمرها.
بالنسبة للناس كانت تبدو خجولة…
أما بالنسبة لي، فهي الطفلة التي
قلت لها بهدوء:
“مش لازم تدخلي دلوقتي لو مش جاهزة… تقدري تستني مع الضابط.”
لكنها هزّت رأسها بسرعة:
“لأ… مش هسيبك لوحدك معاهم.”
مشينا في ممر المحكمة.
رائحة المكان كانت مزيجًا من الورق القديم، والمنظفات، وقهوة بايتة… وكأن الجدران نفسها تشهد على مئات القصص المنسية.
وعندما دخلنا القاعة… شعرت بوجودهم قبل أن أراهم.
أمي كانت تجلس في جهة الدفاع، ترتدي بدلة فاتحة أنيقة، ووضعت كتابًا دينيًا على ركبتيها وكأنها في مشهد مثالي مُعد مسبقًا.
إلى جانبها كان زوجها عادل، هادئًا، نظيف المظهر، بملامح جامدة توحي بالثقة والبراءة.
وخلفهم، جلس بعض أفراد العائلة والمعارف، وجوههم مليئة بالتعاطف المصطنع.
أما جانبنا فكان صغيرًا جدًا…
المحامية، والطبيب الشرعي، وأنا وسلمى فقط.
همست المحامية لي:
“وصل دليل جديد الصبح… وهو قوي جدًا.”
لم أستطع الرد قبل أن تُفتح الأبواب.
دخلت القاضية، وساد الصمت الكامل.
جلست القاضية وفتحت الملف أمامها وقالت بصوت ثابت:
“نحن هنا
وقف محامي الدفاع بسرعة:
“سيادة القاضية، نعترض على إدخال دليل جديد—”
لكنها قاطعته بصرامة:
“يمكنك الاعتراض لاحقًا… اجلس الآن.”
ثم رفعت دفترًا جلديًا وقالت وهي تنظر مباشرة إلى أمي:
“هل تتعرفين على هذا الدفتر؟”
تغير وجه أمي في تلك اللحظة.
وحتى قبل أن أسمع الإجابة… كنت أعرف تمامًا ما الذي سيُكشف.
القاضية فتحت الدفتر وبدأت تقرأ بصوت واضح:
“كان لا بد من معاقبة ليلى الليلة لأنها تحدّت القواعد… لذلك قمت أنا وزوجي بتنفيذ العقوبة… باسم التربية…”
سادت القاعة حالة صمت ثقيل…
كأن الهواء نفسه توقف.
بدأت القاضية تقرأ المزيد…
تفاصيل لا يمكن تخيلها، مكتوبة بيد أمي نفسها، تصف كل ما حدث وكأنه “واجب ديني”.
لم يعد في القاعة أحد يتنفس بشكل طبيعي.
ثم قالت القاضية وهي تغلق الدفتر:
“هذا ليس سجلًا تربويًا… هذا اعتراف موثق بالإساءة المتعمدة.”
بدأت الجلسة تتكشف واحدة تلو الأخرى…
شهادة الطبيب،
كل شيء كان يعيد بناء الحقيقة التي حاولوا دفنها.
وسلمى… عندما صعدت للشهادة، قالت بصوت صغير لكنه ثابت:
“كنت أعرف إن الدور جاي عليّ… كنت بسمعهم وهم بيتكلموا عني كأنني الشيء التالي.”
وفي النهاية… جاءت لحظة الحكم.
القاضية وقفت وقالت:
“هذا ليس تصرفًا لحظيًا… هذا نمط من العنف المنظم والمستمر.”
ثم أضافت:
“المتهمان مذنبان بكل التهم، بما فيها الإساءة الجسدية والتعذيب والتخطيط المتعمد.”
سقطت أمي على كرسيها، وعادل حاول الاعتراض، لكن الحراس منعوه.
وأخيرًا قالت القاضية:
“الحكم: السجن لسنوات طويلة دون أي إمكانية للإفراج المبكر.”
عندما خرجنا من القاعة، لم أكن أشعر بالنصر…
بل بشيء أشبه بالفراغ الثقيل الذي يأتي بعد انتهاء عاصفة طويلة.
نظرت إليّ سلمى وقالت بهدوء:
“خلصنا؟”
أجبتها:
“لأ… ابتداءنا الحقيقي دلوقتي.”
وفي الأيام التالية… بدأنا حياة جديدة بعيدًا عن كل شيء.
بيت صغير، أبواب تُغلق لأول مرة بدون خوف، وحياة لا يراقبها أحد.
لكن الأهم…
أننا لأول مرة لم نعد
تمت
، adel elgamel