في يوم فرحي

لمحة نيوز

الثاني

ركض كريم نحو الرجل الذي طُرد منذ لحظات…
وشق طريقه بين الجميع، حتى وصل إلى باب الكنيسة…
وقبل أن يفهم أحد ما يحدث…
سقط على ركبتيه في الطين أمامه.
اتّسخ بدلته الرمادية الفاخرة فورًا…
لكنّه لم يهتم.
احتضن ساقي الرجل كما يحتضن طفلٌ أباه بعد فراق طويل…
وانفجر بالبكاء.
ليس بكاءً خفيفًا…
ولا بكاءً مهذبًا كما تعلّم رجال الطبقة الراقية…
بل بكاءً من الأعماق… من قلب مكسور منذ سنوات.
— كنت فاكر إنك مت… والله كنت فاكر إنك مت!
أغمض الرجل عينيه… ووضع يده المرتجفة على رأس كريم.
— ما تعيطش يا “كريمو”… شوف نفسك لابس إيه… هتتعب.
“كريمو”…
جفّ حلق ليلى فجأة.
هذا الاسم…
لم ينادِ به كريم أحد… إلا شخص واحد.
الشخص الذي كان يبكيه كل عام…
الشخص الذي يحتفظ بصورته القديمة في درج مغلق…
الشخص الذي كان يتحدث عنه بحب وذنب وألم…
يوسف… أخوه الكبير.
الذي اختفى منذ 12 سنة…
في حادث انهيار أثناء عمل غير قانوني…
حين كانا بالكاد يهربان من الفقر.
شعرت

ليلى وكأن الأرض تميد بها.
وقف كريم وهو لا يزال ممسكًا به، وكأنه يخاف أن يختفي مرة أخرى…
ينظر إلى وجهه، إلى لحيته، إلى جسده المتعب…
— إنت… إنت بجد؟! مش معقول…
حاول يوسف أن يبتسم… شفاهه متشققة.
— أهو رجعت… غصب عن الدنيا.
همهمات ملأت الكنيسة.
تكلمت والدة ليلى، نادية، بنبرة متوترة:
— كريم… إيه اللي بيحصل ده؟
استدار كريم ببطء… وعيناه حمراوان من البكاء.
— اللي بيحصل… إن ده أخويا.
الراجل اللي أنا عايش بسببه.
واللي كنتوا كلكم هتطردوه… لو ما كنتش لحقت أشوف إهانته.
كانت الكلمات كصفعة على وجه ليلى.
أرادت أن تتكلم… لكن الخجل خنقها.
ضم كريم أخاه بقوة.
— لما أمي ماتت… كنت عندي 9 سنين… وهو كان 17.
وبعدها بشهور دفنّا أبويا.
ما كانش عندنا فلوس… ولا حد يساعدنا…
كان عندنا جوع… وشوارع… ونوم في محطة مواصلات.
صوته بدأ ينهار…
— هو ساب تعليمه… اشتغل أي حاجة… علشان أنا أكمل.
لو أنا كنت باكل… كان هو بيجوع.
لو أنا عندي هدوم… كان هو بيلبس نفس الحاجة
أيام.
سكت لحظة… ثم أكمل:
— كل اللي أنا فيه… بدأ من تعب الراجل ده.
الكنيسة كلها صامتة.
— لما اتقبلت في الجامعة… ما كانش معانا فلوس.
هو سافر يشتغل في منجم… وقال لي إنها فرصة كويسة…
لكن الحقيقة كانت شغل خطير… بدون أمان.
كان بيبعت لي فلوس كل شهر… لحد ما فجأة… اختفى.
خفض يوسف رأسه.
— حصل انهيار… وكل اللي كانوا هناك قالوا محدش خرج حي.
سقطت دموع كريم:
— ما لقيتش حتى جثته… عملت له عزاء بصورة.
وقفت ليلى تسمع… وتشعر بأن كل شيء بداخلها ينهار.
أخرج يوسف شيئًا صغيرًا من جيبه… ملفوفًا في قطعة قماش قديمة.
فتحها ببطء…
خاتمان ذهبيان بسيطان.
— وعدتك بيهم…
دول خواتم بابا وماما.
بعتهم زمان علشان أدفع مصاريفك…
وقلت لك هرجعهم لك يوم فرحك.
أمسك كريم الخواتم وكأنها كنز.
— رجعتهم إزاي؟
— بشغل… وصبر… وربنا كرمني.
شعرت ليلى أن هذه الخواتم أثقل من كل زينة الفرح.
سأله كريم:
— كنت فين كل السنين دي؟
تنفس يوسف بصعوبة:
— عايش… بالعافية.
بعد الحادث… فضلت
أيام تحت الأنقاض.
اتصبت… وذاكرتي كانت بتروح وترجع.
اشتغلت أي حاجة… لحد ما قدرت أقف على رجلي.
ومن شهرين بس… عرفت أوصلك.
حاولت الأم السيطرة على الموقف:
— طيب… ممكن نكمل الفرح بعدين؟
نظر لها كريم بحدة:
— لو أخويا خرج… أنا خارج معاه.
الجملة ضربت قلب ليلى.
ليس لأنها تهدد الفرح…
بل لأنها كشفت حقيقة واضحة:
أن هناك شيئًا أهم منها…
أهم من العائلة… من المال… من كل شيء.
نظرت ليلى إلى يوسف… للمرة الأولى حقًا.
رأت جراحه… تعبه… خوفه…
ورأت كم كانت قاسية معه.
تقدمت نحوه ببطء…
خلعت الطرحة…
وجففت وجهه بها.
— محدش يقرب له تاني.
ثم احتضنته…
— أنا آسفة… سامحني.
تجمّد للحظة… ثم ربت على ظهرها بخفة:
— ولا يهمك يا بنتي… شفت أسوأ من كده.
استُكمل الفرح…
لكن بشكل مختلف.
وقف يوسف بجانب كريم…
وسلّمه الخواتم بنفسه.
وقال:
— الذهب مش قيمته في لمعانه…
قيمته في اللي يستحمله…
زي الحب… لو استحمل… يبقى حقيقي.
وبعد سنة…
لم تكن أجمل لحظة في زواجهم هي الفرح…
ولا
الفستان… ولا القاعة…
بل ذلك الرجل…
الذي دخل ممزقًا…
ليجمع ما كان مكسورًا في قلوبهم.تمت 

عادل الجمل 

تم نسخ الرابط