قصة جديدة
الجزء التاني…
ياسمين كانت واقفة في الحوش بتغسل هدوم…
الشمس نار…
والمية معكرة…
وإيديها وجعاها…
بس كل ده اختفى أول ما سمعت الكلمة.
"إنتي هتتجوزي."
رفعت راسها بسرعة:
"إيه؟!"
نجلاء قالت ببرود:
"زي ما سمعتي."
ياسمين حسّت الدنيا وقفت.
"هتجوز مين؟"
ابتسمت نجلاء ابتسامة باردة:
"عم حسن."
الاسم لوحده كان كفاية.
كل المنطقة عارفاه…
الراجل الغلبان اللي عايش لوحده…
اللي بيلف في الشوارع على حاله…
اللي الناس بتبعد عنه.
ياسمين حسّت بقرف وخنقة:
"أنا مش هتجوز."
نجلاء قربت منها واحدة واحدة:
"يبقى تمشي النهارده… من غير ولا حاجة."
سكتت ياسمين…
سكون تقيل… زي حكم اتنفذ.
مفيش حل.
مفيش اختيار.
والأسوأ؟
إن الناس كلها عرفت.
يوم الفرح…
ماكانش فرح.
كان فضيحة.
الناس جات تتفرج…
مش تفرح.
واقفِين…
بيهمسوا…
وبيشاوروا.
"شوفت؟!"
"بيقولوا غصب عنها…"
"مع الراجل ده؟!"
مفيش ورد.
مفيش زفة.
مفيش أي حاجة حلوة.
بس ملاية قديمة مفروشة على
ياسمين لبست لوحدها.
طلّعت فستان أمها…
آخر حاجة فاضلة منها.
مسكته شوية…
كأنها بتحاول تحس بيها.
وبعدين لبسته.
مش عشان الفرح…
عشان نفسها.
لما خرجت…
العيون كانت بتخترقها.
بس المرة دي…
ما وطّتش راسها.
وفي اللحظة دي…
ظهر عم حسن.
بس مش زي ما الناس متعودة تشوفه.
كان نضيف…
هدومه بسيطة بس مرتبة…
شعره متظبط على قد ما يقدر…
وماشي بثبات.
وقف قدامها…
وساعتها…
كل حاجة سكتت.
مفيش كلام…
بس في حاجة اتغيرت.
حاجة محدش فهمها.
الكتب اتكتب بسرعة.
"موافقين؟"
"أيوه."
"أيوه."
"خلاص… بقيتوا متجوزين."
مفيش تصفيق.
مفيش مباركة.
بس همس…
وحيرة.
لأن ياسمين…
ماعيطتش.
ماصرختش.
ماانهارتش.
وقفت.
ولما عم حسن فتح لها الباب باحترام…
حاجة جواها اتحركت.
البيت الجديد…
كان بعيد.
بسيط.
بس مش فقير.
كان فيه ترتيب…
نضافة…
راحة غريبة.
قال لها بهدوء:
"ماكنتش عارف إنك هتيجي."
ما ردتش.
مش عارفة تقول إيه.
هو كمان ما ضغطش عليها.
وريها المية…
الأكل…
مكان
وبعد كده سابها.
أول فرق حقيقي.
مافرضش نفسه.
ماطلبش حاجة.
الليلة دي…
نامت على سرير نضيف.
ولأول مرة من زمان…
نامت بجد.
مش عشان مبسوطة…
لكن عشان مش خايفة.
الأيام عدّت…
غريبة.
مفيش صوت عالي.
مفيش أوامر.
مفيش توتر.
بس شغل…
وسكوت…
واحترام.
عم حسن كان قليل الكلام…
بس كلامه خفيف.
مش بيكسر.
وفي يوم مطر…
قال:
"أبوكي ساعدني قبل كده."
ياسمين بصت له.
"لما مفيش حد وقف جنبي."
ساعتها فهمت.
هي مش هنا صدفة.
مش عقاب.
دي نتيجة حاجة أبوها عملها زمان.
ومن هنا…
كل حاجة بدأت تتغير.
زرعوا أرض صغيرة…
بالبداية كانت تجربة.
شوية بذور…
شوية أمل.
كبرت…
زي أي حاجة بتتسقي صح.
بصبر…
وبتعب.
اشتغلوا سوا.
من غير ضغط.
من غير كلام كتير.
وياسمين…
بدأت ترجع لنفسها.
تتنفس.
تفكر.
تعيش.
لما قررت تبيع في السوق…
خافت.
بس ما وقفتش.
"أنا اللي هعمل كده."
في الأول الناس بصّت…
بعدها شكّت…
وبعدين اشترت…
وفي الآخر…
احترمتها.
لأن الكرامة…
مش
بتتثبت.
نجلاء رجعت تاني.
طبعًا رجعت.
بس لقت واحدة تانية.
مش ياسمين القديمة.
قالت لها:
"كنت فاكرة إنك هتفشلي."
ياسمين ردت بهدوء:
"وأنا كمان كنت فاكرة كده."
الصدق ده…
سكتها.
نجلاء ما بقاش ليها تأثير.
لأن ياسمين…
بطلت تصدقها.
ولما بطلت تصدقها…
فقدت قوتها.
الجفاف جه بعد كده…
صعب…
وقاسي.
بس ياسمين ما وقعتش.
لأنها اتعلمت حاجة مهمة:
مش كل حاجة بتحصل لك…
هي اللي بتحددك.
لكن إنت بتعمل إيه بعدها.
ولما الأرض تعبت…
هي غيرت الطريقة.
ما استسلمتش.
اتأقلمت.
زرع صغير…
بس كفاية.
ولما نجلاء حاولت تاخد كل حاجة…
كان خلاص فات الأوان.
مش بالقانون…
لكن بالحقيقة.
ياسمين اشتغلت…
بنت…
وصمدت.
وده…
ما بيتنساش.
يوم المعرض…
الناس شافتها بجد.
مش ضحية.
مش سخرية.
شافوها ست قوية.
وأدوها لوحة بسيطة:
"شغل بشرف… وأرض فيها حياة."
مسكتها…
وسكتت.
لأول مرة…
مش محتاجة تثبت حاجة.
وفي الليل…
وهي قاعدة جنب عم حسن…
فهمت كل حاجة.
قالت:
"
رد:
"ماكانش نهاية."
ابتسمت:
"ده كان البداية."
الهوا بيحرك الزرع…
والأرض بتكبر…
وهي كمان.
لأن لما كل حاجة بتتسحب منك…
بيفضل بس الحقيقي.
والحقيقي…
محدش يقدر ياخده منك.
انتهت