الجزء الاخير
وقف الجميع في صمت، وكأن الزمن توقّف للحظة.
تابع اللواء عادل الكيلاني بصوت ثابت
الكابتن ليلى المنصوري لم تُنقذ فقط عشرات المدنيين بل عادت من مهمة كان من المتوقع ألا يعود منها أحد.
تبادل الحضور النظرات بدهشة، وبعضهم بدأ يهمس
هي؟!
دي بنت حسام بيه؟!
أما والدي فكان واقفًا مكانه، الكأس في يده يرتجف قليلًا، وكأنه لا يعرف هل يبتسم أم يتراجع خطوة للخلف.
أكمل اللواء
بشجاعة نادرة، دخلت الكابتن ليلى منطقة شديدة الخطورة، واستمرت في القتال والإنقاذ لمدة 48 ساعة متواصلة دون توقف رغم إصابتها.
ثم التفت نحوي مباشرة، ونظر إليّ باحترام واضح
القيادة العليا قررت تكريمك رسميًا لكني فضّلت أن أبدأ هنا أمام عائلتك.
شعرت بأن كل الأنظار تتجه نحوي.
نفس المكان نفس الأشخاص
لكن الإحساس كان مختلفًا تمامًا.
قبل دقائق فقط كنت عارًا.
والآن
قال أحد الضيوف بصوت منخفض
دي بطلة
اقترب اللواء خطوة، ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة أنيقة.
فتحها ببطء ليظهر وسام رسمي يلمع تحت ضوء الثريا.
نيابة عن القيادة
مددت يدي بثبات، رغم الإرهاق الذي يسري في عروقي، وتسلّمت الوسام.
في تلك اللحظة لم أنظر إلى الحضور.
بل نظرت فقط إلى والدي.
عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره من قبل
لم يكن غضبًا.
ولا احتقارًا.
بل ارتباك وشيء يشبه الندم.
اقترب مني بخطوات مترددة، وكأن المسافة بيننا أصبحت أطول مما كانت يومًا.
قال بصوت منخفض، بالكاد يُسمع
ليلى أنا
لكني قاطعته بهدوء
مش لازم تقول حاجة يا بابا.
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم أضفت، وأنا أرفع الوسام قليلًا
أنا عمري ما كنت بدوّر على إعجابك بس كنت دايمًا بتمنى تفهمني.
لم يرد.
فقط خفّض نظره.
لأول مرة في حياتي
كان هو من لا يملك الكلمات.
التفتُّ نحو اللواء وقلت
مستعدة للمهمة الجاية، يا فندم.
ابتسم بثقة
وإحنا مستنيينك.
خرجت من المنزل كما دخلت
لكن الفرق إنني هذه المرة لم أكن أحمل فقط آثار المعركة
بل كنت أحمل اعترافًا
تأخر كثيرًا.
وخلفي
ظل والدي واقفًا في مكانه
ينظر إلى الباب المغلق
وكأنه أدرك أخيرًا
أنه خسر شيئًا
لا يمكن تعويضه
مرّت أيام قليلة
والخبر انتشر في كل مكان.
اسمي أصبح على الشاشات
وصورتي بالزي العسكري تتكرر في نشرات الأخبار
وحديث الناس لم يعد عن ابنة حسام المنصوري
بل عن الكابتن ليلى المنصوري.
لكن الغريب
أنني لم أشعر بأي انتصار حقيقي.
في إحدى الليالي، بعد انتهاء حفل التكريم الرسمي، عدت إلى شقتي الصغيرة
وضعت الوسام على الطاولة
وجلست بصمت.
رنّ هاتفي.
اسم المتصل
بابا
ترددت للحظة
ثم أجبت.
صوته لم يكن كما اعتدته
لم يكن حادًا ولا متعاليًا
بل كان هادئًا ومكسورًا قليلًا
ليلى ممكن أشوفك؟
صمتُّ لثوانٍ
ثم قلت
اتفضل.
بعد أقل من ساعة
كان يقف أمام بابي.
بدلته الأنيقة
لكن ملامحه لم تكن كما هي.
بدا أكبر سنًا
أضعف
كأن شيئًا بداخله انهار.
دخل وجلس دون أن يتكلم.
عيناه وقعتا على الوسام فوق الطاولة.
اقترب ببطء
ومدّ يده نحوه
لكنه لم يلمسه.
قال بصوت منخفض
أنا شفت كل حاجة الفيديوهات الناس وهي بتتكلم عنك
سكت قليلًا
ثم أكمل
أنا كنت فاكر إني بربيك صح إني بخليك قوية بس الحقيقة إني كنت بكسرك.
لم أتكلم.
لأول مرة
كنت أريد أن أسمعه حتى النهاية.
رفع عينيه نحوي
أنا خسرت سنين خسرت بنتي وأنا حتى ما كنتش شايف.
اقترب خطوة
ثم قال بصوت ارتجف
سامحيني يا ليلى.
الكلمة كانت ثقيلة
ليست سهلة
ولا بسيطة
كأنها خرجت بعد عمر كامل من الكبرياء.
نظرت إليه طويلًا
هذا الرجل
الذي كنت أبحث عن رضاه طوال حياتي
يقف الآن
ينتظر كلمة مني.
تنفست ببطء
ثم قلت بهدوء
أنا سامحتك
ظهرت الدهشة على وجهه
لكنني أكملت
سامحتك علشان أنا مش عايزة أعيش باقي عمري شايلة وجع قديم.
سكتُّ لحظة
ثم أضفت
بس في حاجة لازم تفهمها
نظر إليّ باهتمام.
قلت بثبات
أنا مش نفس البنت اللي كانت مستنية منك كلمة حلوة أنا بقيت أقوى من كده.
دمعت عيناه
لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة
ابتسامة فيها فخر
يمكن لأول مرة.
قال
وأنا فخور بيكي يا ليلى.
هذه المرة
لم أحتج أن أسمعها.
لكنني قبلتها
بهدوء.
اقتربت منه
لكن فيه نهاية سنين طويلة من الصراع.
وبداية حاجة جديدة
مش كاملة
مش مثالية
لكن حقيقية.
بعدها بأيام
وقفت مرة أخرى على أرض مهمة جديدة.
السماء كانت مظلمة
وصوت الطائرات يملأ المكان
لكن هذه المرة
لم أكن أحارب فقط من أجل إنقاذ الآخرين
كنت أحارب
وأنا أخيرًا
سلامي مع نفسي مكتمل.
النهاية