القصة كاملة
كان أول شيء تذوقته هو الطين والثاني كان الدم.
تحت أمطار متجمدة تضرب وجهي بقسوة، كنت ملقاة على الأرض في بركة من الوحل أمام منزلنا، وأنا في شهري التاسع من الحمل. إحدى يدي كانت تمسك بطني المنتفخ، والأخرى تحاول عبثًا أن تستند إلى الأرض الزلقة. أنفاسي كانت متقطعة، مؤلمة، كأنها تنكسر في صدري مع كل شهيق.
فوقي، وتحت ضوء أصفر خافت من شرفة البيت، كان زوجي، كريم، يعدّل ربطة عنقه الحريرية وكأنه لم يفعل شيئًا سوى إخراج القمامة.
همست بصوت ضعيف كريم...
ابتسم بسخرية وقال ما تناديش اسمي بالطريقة دي يا ليلى بتخلّيكي تباني ضعيفة ومثيرة للشفقة.
رمى حقيبتي الصغيرة الخاصة بالمستشفى بجانبي، فاصطدمت بالأرض المبللة بقوة. تناثرت منها ملابس الطفل الصغيرة في الوحل بطانية بيضاء جوارب عليها بطات صفراء وملف يحتوي على خطة الولادة.
ركل الحقيبة بحذائه اللامع وفتحها أكثر.
قال بصوت مرتفع، كأنه يقصد أن يسمعه الجيران خلف النوافذ المظلمة اغوري من هنا يا بقرة سمينة شريكتي الحقيقية جاية تعيش هنا النهارده.
خلفه، ظهرت ياسمين عند باب البيت، ترتدي روبًا فاخرًا الروب الخاص بي أنا.
وضعت يدها المرتبة بعناية على كتفه وضحكت كان لازم تعمل كده من زمان بص
مسحت المطر عن عيني بصعوبة، ونظرت إلى الشرفة التي ساهمت في دفع ثمنها، والبيت الذي زينته بيدي، والرجل الذي أحببته رغم فشله وديونه وكذبه.
كريم كان يظن أني ضعيفة لأني كنت صامتة لكنه لم يفهم أن الصبر ليس استسلامًا.
سألته بهدوء هل الموضوع له علاقة بأسهم الشركة؟
ابتسم ابتسامة حادة وقال كل حاجة في الحياة بتتعلق بالبقاء يا حبيبتي وإنتِ وقّعتي على التنازل. خلاص انتهيتي.
ارتجفت لكن ليس من الخوف.
قلت بثبات أنا وقّعت على اللي إنت ادتهولي.
اقترب مني قليلًا وقال بثقة بالظبط.
أرسلت ياسمين قبلة ساخرة في الهواء يا حرام بنت غنية ومقطوعة من شجرة. باباكي قطع عنك كل حاجة، صح؟
كانت هذه الكذبة المفضلة لدى كريم. لثلاث سنوات، كان يخبر الجميع أني على خلاف مع والدي، وأنه لا يوجد لدي مال أو سند أو أي شخص قوي ألجأ إليه.
وهو صدّق الكذبة لأني سمحت له بذلك.
لمع البرق في السماء.
وعند نهاية الممر الطويل، اخترقت أضواء سيارات الظلام والمطر.
التفت كريم بضيق مين ده؟!
توقفت سيارة سوداء فاخرة خلف سيارته ثم أخرى ثم سيارتا شرطة.
ببطء، مسحت الطين عن عيني.
نزل والدي أولًا رجل ذو شعر فضي، هادئ الملامح لكنه مخيف بهيبته، يرتدي معطفًا
اختفت ابتسامة كريم فورًا قبل حتى أن يهتز ضوء الشرفة.
وأخيرًا سمحت لنفسي أن أبتسم.
يتبع
الجزء الثاني
تجمّد المكان للحظة كأن الزمن نفسه توقف.
صوت المطر كان لا يزال يضرب الأرض، لكن كل شيء آخر أصبح صامتًا.
نظر كريم إلى والدي، ثم إلى سيارات الشرطة، ثم إليّ وعيناه امتلأتا بالارتباك لأول مرة منذ سنوات.
قال بتلعثم إيه إيه اللي بيحصل هنا؟
لم أرد عليه.
كنت لا أزال على الأرض، أتنفس بصعوبة، لكن شيئًا داخلي كان قد تغيّر لم أعد تلك المرأة التي دفعها قبل دقائق.
اقترب أحد رجال الشرطة بسرعة، وانحنى بجانبي مدام، حضرتك بخير؟ محتاجة إسعاف فورًا.
قبل أن أجيب، وصل والدي إليّ.
ركع على الأرض دون تردد، غير مهتم بالوحل أو المطر، ورفع وجهي برفق بين يديه.
صوته كان هادئًا لكنه مليء بالغضب المكبوت ليلى مين اللي عمل فيك كده؟
نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة خفيفة رغم الألم أنا بخير يا بابا كنت مستنية اللحظة دي.
شدّ على يدي بقوة، ثم وقف ببطء واستدار نحو كريم.
تراجع كريم خطوة للخلف دون وعي.
حضرتك مين؟ حاول أن يبدو متماسكًا.
لكن أحد الضباط سبقه بالكلام انت كريم منصور؟
ابتلع ريقه أيوه في إيه؟
فتح الضابط دفتره وقال بصرامة أنت متهم
صرخت ياسمين من الخلف إيه الكلام الفارغ ده؟! دي أكيد بتمثل!
نظر إليها الضابط ببرود ممكن تكملي كلامك في القسم.
أما والدي فلم يقل شيئًا.
فقط أخرج ملفًا صغيرًا من معطفه، وأعطاه لأحد الضباط.
قال بهدوء قاتل وده كمان تزوير توقيع، واستيلاء غير قانوني على أسهم.
اتسعت عينا كريم فجأة إيه؟! لا لا هي اللي وقعت!
هنا ضحكت لأول مرة.
ببطء، وبمساعدة المسعف، جلست قليلًا رغم الألم.
نظرت إليه مباشرة وقلت أنا فعلاً وقعت يا كريم لكن مش على تنازل.
سكت الجميع.
أكملت وأنا أحدق في عينيه أنا وقعت على نقل كل حاجة باسمي باسمي أنا بس.
صوته خرج مهزوز إنتِ بتقولي إيه؟!
تدخل والدي أخيرًا بقولك إنك كنت بتقرأ نص مزور واتضح إنك ما فهمتش حاجة.
اقترب خطوة منه، وعيناه باردة كل أملاك الشركة وكل الحسابات وكل الأسهم بقت ملك ليلى من شهرين.
شهقت ياسمين مستحيل!
نظرت لها وقلت بهدوء كنتوا فاكرين إني ضعيفة بس أنا كنت بس بسيبكم تكملوا غلطكم.
كريم بدأ يتنفس بسرعة لا لا ده مش حقيقي
رد الضابط الحقيقي إنك هتيجي معانا دلوقتي.
أمسكوا بذراعه.
حاول المقاومة ليلى! قولي لهم! إحنا كنا متفقين!
نظرت إليه بلا أي تعبير إحنا ما اتفقناش على إنك ترميني وأنا حامل في