القصة كاملة
دخلتُ قسم الطوارئ ومعي أخي الرضيع وأختي اللذان كانا بالكاد يتنفسان، وقلتُ
أمي نائمة منذ ثلاثة أيام لكن عندما ظهرت جدتي وهي تطالب بأخذهم، أدركت أن الليلة على ذلك الطريق الترابي لم تكن أقسى شيء سنعيشه
ماما نائمة من تلاتة أيام وأخويا الصغير وأختي الرضيعة كانوا هيموتوا من قلة النفس.
خرجت الكلمات من فم ليلى، طفلة في السابعة، كهمسٍ مكسور، لكن داخل قسم الطوارئ في مستشفى النور المركزي بإحدى القرى الهادئة في صعيد مصر، سقطت على الجميع كالصاعقة.
كانت حافية القدمين، قدماها مغطاتان بالتراب، وركبتاها مجروحتان، وتمسك بكلتا يديها بمقبض عربة تسوق قديمة صدئة. داخل العربة كان طفلان رضيعان ملفوفان ببطانية رمادية، ساكنان إلى درجة أن إحدى الممرضات أسقطت الملف من يدها.
نقالة! بسرعة! صرخ الدكتور أحمد رامي.
وفجأة، انفجر المكان بالحركة.
أقدام تركض. قفازات تُلبس بسرعة. أكياس محاليل. أقنعة أكسجين. ممرضات يصرخن بكلمات لم تفهمها ليلى، لكنها شعرت أنها سيئة.
جفاف شديد.
انخفاض سكر.
حالة حرجة.
طارئة.
ليلى لم تبكِ.
كانت فقط تحدق بينما يرفعون توأمها يوسف وسارة من العربة ويجرون بهما بعيدًا. كانت تراقب دون أن ترمش، وكأن رمشة واحدة قد تجعلهم يختفون للأبد.
ثم وضعت ممرضة يدها برفق على كتفها.
ترنحت ليلى مرة واحدة.
ثم سقطت بجانب عربة التسوق.
وعندما فتحت عينيها مرة أخرى، كانت في سرير أبيض ترتدي ثوبًا طبياً أكبر من جسدها الصغير. الأضواء كانت تؤلم عينيها، لكن أول ما فعلته أنها جلست فجأة.
أطفالي! صرخت.
اقتربت الممرضة مريم عبد الله، امرأة ذات صوت حازم وعينين حانيتين.
اهدئي يا حبيبتي هما هنا. أنتِ وصلتي بيهم في الوقت.
أدارت ليلى رأسها بسرعة.
إلى جانب سريرها كان هناك سريران زجاجيان صغيران. يوسف موصول بأنبوب صغير في أنفه. وسارة على يدها ضمادة صغيرة.
أجهزة المراقبة
وأخيرًا أطلقت ليلى نفسًا كانت تحبسه منذ الليلة السابقة.
فين ماما؟ صحيت؟ سألت.
الممرضة لم ترد فورًا.
وهذا الصمت كان أخطر من الأجهزة نفسها.
دخلت امرأة تحمل ملفًا على صدرها. كانت ترتدي سترة بيج، وعينيها تحملان حزنًا لا يحمل حكمًا.
أنا اسمي مريم عبد الله، أخصائية اجتماعية قالت بهدوء. يا ليلى، لازم نعرف بيتكم فين.
نظرت ليلى إلى الأسفل.
ثم أخرجت من جيب سُترتها الورقية المبللة بالعرق والمطر ورقة مطوية.
كانت رسمة بالألوان.
بيت أزرق.
شجرة كبيرة.
سور مكسور.
ورقم مكتوب بجانب الباب 18.
ده بيتنا همست. ماما قالت لو ضعت، أرسم اللي فاكراه.
ابتلعت الأخصائية ريقها بصعوبة.
إنتِ جيتي لوحدك ومعاكي التوأم؟
هزّت ليلى رأسها.
روحت الأول عند جدتي نادية بس ما فتحتش الباب. كانت بتقول من جوه إن ماما بتكبر الأمور. وقالت لو ماما تعبانة يبقى ده بسبب عنادها.
تجمدت الممرضة مريم.
واستمرت ليلى في الكلام ببراءة الأطفال الذين لا يدركون بعد قسوة الكبار.
وبعدين زقيت العربية في الطريق الترابي. كانت بتعلق في الحجارة. يوسف عيط شوية وبعدين سكت. وسارة كانت ساقعة، ففضلت أغني لهم عشان ما كنتش عارفة أعمل إيه.
أغلقت مريم الملف للحظة.
كانت أصابعها ترتجف.
خارج الغرفة، خرج اثنان من رجال الشرطة متجهين إلى أطراف قرية صغيرة بمحافظة المنيا، حاملين رسمة ليلى. كانوا يبحثون عن بيت أزرق، وسور مكسور، وامرأة تُدعى آية لم تستيقظ منذ ثلاثة أيام.
ضمّت ليلى ركبتيها إلى صدرها.
ماما مش وحشة قالت فجأة. هي بس كانت تعبانة قوي. بابا سابنا لما عرف إن في توأم جاي. وجدتي قالت إن ده مش مشكلتها.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الجميع داخل قسم الطوارئ يفهم حجم الكابوس الذي عاشته تلك الطفلة، فُتح الباب بقوة.
دخلت امرأة ترتدي حذاءً غاليًا،
أنا جدتهم! قالت بصوت عالٍ. وجيت آخدهم قبل ما الست دي تضيعهم زي ما ضيعت بنتها!
اختبأت ليلى خلف الممرضة مريم.
وساد الصمت المكان بالكامل.
لأن نفس المرأة التي رفضت فتح الباب طوال الليل كانت الآن تريد أن تأخذ الأطفال الذين كادت ليلى تموت من أجل إنقاذهم.
ولا أحد كان يتخيل ما الذي سيحدث بعد لحظات
تجمّد الهواء داخل قسم الطوارئ لحظة دخول الجدّة نادية.
كانت تمشي بخطوات سريعة، كعب حذائها يطرق الأرض وكأنه يعلن امتلاك المكان. عيناها تجولان بين الأجهزة الطبية، وبين التوأم في الحاضنتين، ثم توقفت على ليلى الواقفة خلف الممرضة مريم.
أنا جدتهم القانونية! قالت بصوت حاد. والأطفال دول هيمشوا معايا حالًا.
لم تتحرك ليلى، لكن أصابعها تشبثت بملابس الممرضة أكثر.
الممرضة مريم وقفت أمامها مباشرة.
الأطفال في حالة طبية حرجة، ومش مسموح نقلهم دلوقتي.
ضحكت الجدّة بسخرية قصيرة.
حرجة إيه؟ دي مبالغات مستشفيات. أنا أعرف بنتي كويس دايمًا بتحب الدراما.
عند هذه الجملة، تغيّر وجه الأخصائية الاجتماعية مريم عبد الله تمامًا.
حضرتك البنت وصلت هنا وهي ماشية بنفسها ومعاها رضيعين شبه فاقدين للوعي. ده مش تمثيل.
سكتت الجدّة لحظة، لكن الغضب في عينيها زاد.
في تلك اللحظة، صدر صوت جهاز مراقبة القلب من غرفة التوأم صوت ثابت لكنه ضعيف.
التفتت ليلى بسرعة.
هو يوسف كويس؟! صرخت.
اقتربت الممرضة بسرعة من الحاضنة.
مستقر لكن لسه محتاج رعاية.
لكن الجدّة لم تكن تنظر للأطفال. كانت تنظر إلى الأوراق في يد الأخصائية.
فين بنتي؟ سألت فجأة. آية فين؟
ساد الصمت.
نظرت الأخصائية بعيدًا للحظة قبل أن تجيب
لسه في غيبوبة. حالتها حرجة من ثلاثة أيام.
لأول مرة، ارتبك صوت الجدّة قليلًا، لكن سرعان ما غطته بنبرة قاسية
يبقى السبب واضح هي اللي ودّت نفسها في ده. أنا قلت
ليلى رفعت رأسها فجأة.
ماما مش كده!
الصوت الصغير خرج أقوى مما توقّعه الجميع.
ماما تعبت عشان كانت لوحدها! ومش صح إنك تقولي كده!
التفتت الجدّة نحوها ببطء.
إنتِ ما تفهميش حاجة.
لكن الأخصائية الاجتماعية تدخلت بسرعة
كفاية. الأطفال دول تحت حماية المستشفى دلوقتي، وأي قرار لازم يكون من المحكمة.
في الخارج، وصلت سيارة الشرطة إلى الطريق الترابي الذي رسمته ليلى.
البيت الأزرق كان هناك لكن الباب نصف مفتوح.
أحد الضباط أشار
فيه حاجة غلط
دخلوا بحذر.
داخل البيت، كان كل شيء ساكنًا كأن الزمن توقف منذ ثلاثة أيام.
ثم سمعوا صوتًا خافتًا من غرفة في آخر الممر.
أنين ضعيف.
أما داخل المستشفى، فكانت الجدّة تزداد إصرارًا.
أنا هآخدهم سواء وافقتوا أو لا.
لكن فجأة
انفتح باب قسم الطوارئ مرة أخرى.
دخل ضابط شرطة ومعه زميله، وملامحهم لا تحمل أي تردد.
حضرتك نادية؟ قال الضابط.
أيوه.
رفع ملفًا صغيرًا في يده.
عندنا أمر من النيابة منع أي نقل للأطفال لحين التحقيق.
تجمدت الجدّة.
تحقيق؟ أنا جدتهم!
لكن الضابط أكمل
ومش بس كده عندنا بلاغ إن فيه طفلين تم نقلهم في حالة خطر شديد بدون أي إسعاف رسمي وده هيتحقق فيه.
الجدّة لأول مرة فقدت ثقتها.
وفي تلك اللحظة، خرجت ليلى من خلف الممرضة، تمشي خطوة صغيرة للأمام.
هو إحنا هنروح لماما إمتى؟
الصوت كان بسيط لكنه كسر كل الجدل في الغرفة.
الأخصائية نظرت إليها، ثم قالت بهدوء
لما نطمن إنكِ وإخواتكِ في أمان الأول.
لكن ما لم يره أحد
هو أن جهاز يوسف بدأ يصدر صوتًا مختلفًا.
أسرع.
أعلى قليلًا.
وكأن شيئًا جديدًا بدأ يحدث
ارتفع صوت جهاز يوسف في الحاضنة بشكل أوضح، وصوت البيب المتسارع ملأ غرفة العناية وكأنه إنذار خفي.
الدكتور بسرعة! صرخت الممرضة مريم.
اندفع الدكتور أحمد رامي إلى الداخل فورًا، عينيه على الشاشة قبل
ضغطه بيقل لازم تدخل فوري.
تجمدت ليلى في مكانها.
هو بيوحش؟! همست بخوف.
اقتربت منها الممرضة بسرعة، لكنها لم تجب.