مكالمة منتصف الليل
العنوان مكالمة منتصف الليل
الجزء الأول
كنت أصدق أعذار ابنتي عن الكدمات التي تظهر على جسد حفيدي حتى جاءت تلك المكالمة في منتصف الليل التي جمّدت الدم في عروقي
لو سمحت يا جدو تعال بس من غير صوت.
رنّ الهاتف في تمام الساعة الثانية وسبع دقائق فجرًا، حين كانت الحارة كلها غارقة في صمت ثقيل، ولا يُسمع في غرفتي سوى صوت المروحة القديمة وهي تدور ببطء.
نظرت إلى الشاشة كان الاسم ياسين.
ياسين حفيدي الصغير.
لم يكن يتجاوز الثامنة من عمره.
ولم يسبق له أن اتصل بي في هذا الوقت أبدًا.
رددت فورًا، وما زلت نصف نائم لكن بمجرد أن سمعت أنفاسه المتقطعة، اختفى النوم من عيني تمامًا. كان يبكي يحاول كتم صوته، كأن أحدًا قد يسمعه في أي لحظة.
ياسين؟ مالك يا حبيبي؟ فين ماما؟
لم يجب.
فقط صوت خبطة قوية في الخلفية ثم صوت رجل غليظ، مليء بالغضب، يتكلم بكلمات لم أميزها.
ثم همس حفيدي بصوت مرتعش خوفه ما زال يحرق صدري حتى الآن
لو سمحت تعال.
وانقطع الاتصال.
ظللت أحدق في الهاتف لثوانٍ، وقلبي يدق بعنف داخل صدري.
لم أكن بحاجة لسماع المزيد.
كان هناك شيء خطير يحدث شيء كنت أخشاه منذ شهور.
ارتديت أول
كل إشارة حمراء بدت أبدية وكل شارع أطول من الذي قبله.
ابنتي سارة تزوجت من حسام منذ خمس سنوات.
في البداية، ظنناه رجلًا محترمًا هادئًا من هؤلاء الذين لا يتكلمون كثيرًا لكن يظهرون بمظهر المسؤول.
كان يعمل في شركة توزيع، يأتي مرتبًا في التجمعات العائلية، ويبتسم ابتسامة باردة لم تطمئنني يومًا.
لكن سارة كانت تدافع عنه دائمًا.
بابا، إنت مكبر الموضوع حسام بس شخص كتوم.
ثم وُلد ياسين وأصبح كل حياتي.
كنا نخرج كل يوم جمعة إلى الحديقة، نأكل كشري من عربيات الشارع، نصنع ألعابًا بسيطة، وكان يحكي لي أسراره كأنني صديقه.
لكن منذ حوالي عام تغير كل شيء.
قلّ كلامه.
اختفت ضحكته.
وعندما يدخل حسام الغرفة كان ياسين يطأطئ رأسه كأنه ارتكب ذنبًا.
لاحظت الكدمات على ذراعيه، ساقيه، حتى قرب كتفه.
وسارة دائمًا لديها تفسير
وقع في المدرسة.
كان بيلعب كورة.
عيل شقي يا بابا.
لكنني كنت أعرف حفيدي
وأعرف الخوف.
مرة حاولت أن أتكلم مع سارة على انفراد.
قلت لها إنها تستطيع
شحب وجهها نظرت ناحية الباب وطلبت مني ألا أتدخل.
إنت مش فاهم يا بابا.
تلك الجملة ظلت تلاحقني شهورًا.
عندما وصلت إلى منزلهم تلك الليلة كان الباب مواربًا.
لا أنوار.
ورائحة ثقيلة في الجو خليط من الكحول والاختناق وشيء مكسور.
دخلت ببطء.
سارة؟ همست.
لا رد.
من عمق الشقة، قرب المطبخ، سمعت صوت حسام منخفض، لكنه مليء بغضب مكبوت أخطر من الصراخ.
قلتلك ما تتصليش بحد أبوكي مالوش دعوة هنا.
اقتربت أكثر يداي ترتجفان، لكن قدماي لم تتوقفا.
ثم سمعت صوت سارة تبكي.
وفجأة
صفعة.
قوية.
حادّة.
كأن الصوت شقّ البيت نصفين.
كفاية! صرخ ياسين بصوته الصغير المكسور ما تضربش ماما!
نظرت من مدخل المطبخ
وما رأيته جمّد الدم في عروقي.
سارة على الأرض خدها أحمر، وشفتيها تنزفان.
ياسين تحت الطاولة، يحتضن ركبتيه، يرتجف كعصفور في عاصفة.
وحسام واقف أمامهم زجاجة في يده وعيناه غارقتان في الغضب والسُكر.
في تلك اللحظة رفعت سارة رأسها ورأتني.
لم يكن في عينيها دهشة
كان هناك استغاثة.
وفي تلك اللحظة فهمت
أن ابنتي كانت تنتظر منذ زمن طويل
استدار حسام نحوي ببطء.
إيه اللي جابك هنا يا عم؟
لم أجب.
نظرت فقط إلى ابنتي وحفيدي.
يلا قوموا معايا حالًا.
ضحك ضحكة باردة وتقدم خطوة نحوي.
محدش هيخرج من هنا.
حاولت سارة أن تنهض لكنه أمسك ذراعها بعنف، فصرخ ياسين.
وعندما رأيت يده ترتفع مرة أخرى ليضربها
شيء بداخلي انكسر للأبد.
لم أصدق ما كنت على وشك فعله
الجزء الثاني
في اللحظة التي ارتفعت فيها يده مرة أخرى ليضرب ابنتي لم أفكر.
تحركت.
اندفعت نحوه بكل ما تبقى فيّ من قوة، وأمسكت ذراعه قبل أن تنزل. الزجاجة وقعت من يده وتحطمت على أرض المطبخ، وصوت الكسر دوّى في المكان.
إبعد إيدك عنها! صرخت، وصوتي لم أعرفه أنا نفسي.
نظر لي حسام بذهول لثوانٍ ثم تحول الذهول إلى غضب أعمى.
إنت اتجننت يا راجل؟!
حاول أن يفلت نفسه، ودفعني بقوة، لكنني لم أتركه. كنت أراه الآن بوضوح ليس ذلك الرجل الهادئ الذي خدعنا جميعًا بل شخص آخر تمامًا.
شخص مؤذٍ.
شخص كسر ابنتي وأخاف حفيدي.
ياسين! صرخت دون أن أنظر إليه اطلع من تحت الترابيزة وتعالى عندي!
تحرك ببطء، وهو يبكي، وزحف نحوي كأنه يهرب من كابوس. احتضن ساقي بقوة، وكنت أشعر
في تلك اللحظة أدركت أنني لو تأخرت دقيقة واحدة فقط كان يمكن أن أخسرهم.
حسام