الجزء الاخير

لمحة نيوز

الجزء الثاني

لم يجب أحد.

حتى الهواء بدا وكأنه توقف.

ثبتتُ مكاني، بينما كانت أنظار الجميع تتنقل بيني وبين الأميرال، وكأن المشهد خرج فجأة عن السيطرة التي اعتادوها.

اقترب الأميرال خطوة أخرى، عيناه لا تفارقان ظهري، وكأنه يقرأ شيئًا يعرفه جيدًا… شيئًا لم يفهمه أحد غيره.

قال بصوت أكثر هدوءًا، لكن هذه المرة بنبرة أمر: “اقفلي القميص… ببطء.”

نفذتُ دون تردد.

وحين استدرتُ لمواجهته، رأيت شيئًا لم أره من قبل على وجه رجل بمثل رتبته…

الصدمة.

بل… الاحترام.

نظر إليّ لثوانٍ طويلة، ثم سأل: “اسمك إيه؟”

أجبت بثبات: “نادين المرسي.”

تبادل نظرة سريعة مع أحد الضباط خلفه، ثم عاد إليّ فورًا: “رقمك العسكري كان إيه؟”

سكتُّ لحظة.

ليس لأنني لا أتذكر…

بل لأنني لم أكن أريد أن أتذكر.

لكن شيئًا في صوته… أجبرني.

“٧٣٤١-كاف-٢١.”

تغير كل شيء.

الأميرال أخذ نفسًا عميقًا، ثم رفع يده ببطء…

وأدى لي التحية العسكرية.

تجمد الجميع.

سلمى توقفت عن الابتسام.

والدي أنزل الكأس من يده دون أن يشعر.

أما الضباط الشباب… فوقفوا مستقيمين تلقائيًا.

قال الأميرال بصوت واضح هذه المرة: “حضرة النقيب نادين المرسي… كنتِ ضمن فريق عملية (الصقر الأسود)، صح؟”

لم أرد.

لكنه لم ينتظر الإجابة.

“الفريق اللي اختفى بالكامل بعد انفجار القاعدة على الحدود… واللي اتسجل في التقرير إنه ‘مفقود أثناء المهمة’.”

شهقة خافتة خرجت من بين الحضور.

أكمل، وعيناه لا تزالان عليّ:

“خمسة سنين… بندوّر على أي ناجي.”

سلمى ضحكت بتوتر: “حضرتك أكيد غلطان… هي أصلاً—”

رفع يده دون أن ينظر إليها.

فسكتت فورًا.

قال بهدوء: “أنا كنت قائد غرفة العمليات في الليلة دي.”

صمت ثقيل سقط على المكان.

ثم أضاف: “وكنت آخر واحد شاف الإشارة اللي بعتها قبل ما كل شيء يختفي.”

نظرت إليه أخيرًا.

بعمق.

بثقل سنوات لم أتحدث فيها.

قال بصوت منخفض: “إنتي مش بس نجيتِ… إنتي اللي فجّرتي المخزن قبل ما يقع في إيد العدو.”

ابتلعتُ ريقي.

الذكريات بدأت تزحف…

النار.

الصراخ.

الظلام.

أكمل: “الإشارة اللي بعتها… أنقذت كتيبة كاملة كانت داخلة في كمين.”

بدأت الهمسات تنتشر بين الحضور.

الضباط الشباب الآن ينظرون لي بطريقة مختلفة تمامًا.

ليس بفضول…

بل باحترام.

قال الأميرال: “إحنا فقدنا الاتصال بعد الانفجار… وافترضنا إن مفيش حد خرج حي.”

سألته بهدوء: “وده اللي خلّى الجيش ينساني؟”

لم يجب فورًا.

لكن عينيه قالت كل شيء.

تدخل أحد الضباط خلفه: “يا فندم… في تقارير قالت إن—”

قاطعه الأميرال بحزم: “التقارير كانت ناقصة.”

ثم نظر إليّ: “إنتي اختفيتِ… ليه؟”

نظرت حولي.

لسلمى.

لأبي.

للوجوه التي كانت تضحك منذ دقائق.

ثم عدت إليه.

“لأن لما رجعت… محدش كان عايز يسمع.”

صمت.

“رجعت بجسم مشوه… وملف مقفول… وحكاية محدش مهتم بيها.”

خفض الأميرال رأسه قليلًا.

ولأول مرة… بدا عليه الذنب.

قلت بهدوء: “فاخترت أختفي.”

لحظة طويلة مرت.

ثم استقام فجأة.

وصوته

عاد قويًا كما كان:

“ده مش هيكمل.”

نظر إلى الضباط: “من النهارده… ملف النقيب نادين المرسي هيتفتح تاني.”

ثم أضاف: “وهيتاخد فيه كل الإجراءات الرسمية لتكريمها.”

سلمى همست بصدمة: “تكريم؟!”

التفت إليها الأميرال أخيرًا.

ونظر إليها نظرة واحدة فقط…

كافية لتجعلها تتراجع خطوة.

ثم عاد إليّ.

وبصوت منخفض، لا يسمعه غيري، قال: “البلد مدينة لكِ… حتى لو اتأخرنا.”

شعرت بشيء يتحرك داخلي…

شيء كنت فاكرة إنه مات من زمان.

لكن قبل ما أقدر أرد…

جاء صوت والدي أخيرًا.

“نادين…”

استدرت ببطء.

وكان ينظر إليّ… للمرة الأولى منذ سنوات…

كأنه يراني فعلًا.

— يتبع في الجزء الثالث —
الجزء الثالث

“نادين…”

صوت والدي خرج مترددًا… ضعيفًا بشكل لم أعهده فيه من قبل.

استدرت نحوه ببطء.

كان واقفًا مكانه، لكن ملامحه لم تعد كما كانت منذ دقائق… لا ثقة، لا برود، لا تجاهل.

فقط ارتباك… وشيء يشبه الندم.

قال بخفوت: “ليه… ما قولتيش؟”

نظرت إليه لثوانٍ.

ثم سألت بهدوء: “كنت هتسمع؟”

لم يرد.

وهذا كان كافيًا.

تقدّم خطوة نحوي، وكأنه يحاول يعوض سنوات كاملة بخطوة واحدة: “أنا… أنا ما كنتش أعرف—”

قاطعته بهدوء، لكن بحسم: “ما حاولتش تعرف.”

سكت.

نظرت له مباشرة: “كنت شايفني فاشلة… فصدّقت أسهل تفسير. ما سألتش ليه رجعت لوحدي… ولا ليه كنت بلبس كده… ولا حتى ليه كنت بسكت.”

خفض عينيه.

ولأول مرة… لم يجد ردًا.

خلفه، كانت سلمى واقفة كأن الأرض سُحبت من تحتها.

قالت

بصوت مهزوز: “استني… إنتي بتقولي إيه؟ عملية إيه؟! ده هزار، صح؟”

لم أنظر إليها.

لكن الأميرال هو من رد: “ده مش هزار.”

سلمى هزت رأسها بعصبية: “لا… مستحيل! هي كانت—”

توقفت.

لأنها فجأة… لم تعد تملك وصفًا يليق بالموقف.

الفتاة التي كانت تسخر منها منذ دقائق…

تحولت إلى قصة لا تستطيع استيعابها.

اقترب أحد الضباط الشباب، وقف أمامي، ثم أدى التحية العسكرية باحترام كامل: “تشرفنا يا فندم.”

تلاه آخر.

ثم آخر.

وفي ثوانٍ… مجموعة من الضباط الذين كانوا يتفرجون بصمت…

أصبحوا يقفون في صف مستقيم، يحيّونني.

المشهد كان صامتًا…

لكن معناه كان أعلى من أي صوت.

نظرت إليهم، ثم رددت التحية بهدوء.

سلمى تراجعت خطوة أخرى.

“إنتو بتهزروا… صح؟!”

لم يضحك أحد.

اقترب الأميرال مرة أخرى، وقال بصوت واضح أمام الجميع: “اللي حصل النهارده… مش بس كشف الحقيقة.”

ثم نظر مباشرة إلى سلمى: “كشف كمان مين كان شايف… ومين كان أعمى بإرادته.”

انخفضت نظرة سلمى.

لأول مرة… لم تجد كلمات.

التفتُّ لأغادر.

لكن صوت والدي أوقفني مرة أخرى: “نادين… استني.”

توقفت.

لكنني لم ألتفت.

قال بصوت مكسور: “أنا غلطت.”

صمت.

ثم أضاف: “مش عارف أصلّح كل حاجة… بس عايز أحاول.”

أغمضت عيني للحظة.

الكلمات التي كنت أريد سماعها لسنوات…

جاءت أخيرًا.

لكن متأخرة.

فتحت عيني وقلت بهدوء: “المحاولة… كانت زمان.”

ثم بدأت أمشي.

خطواتي على الرمل كانت ثابتة.

هادئة.

لكن كل خطوة كانت تترك

خلفها شيء…

وجع قديم.

صمت طويل.

سنين من الانتظار.

وراء ظهري، لم يتبعني أحد.

لا سلمى.

ولا والدي.

ولا حتى الماضي.

فقط صوت الأميرال وهو يقول: “النقيب نادين… هنتواصل مع حضرتك خلال أيام.”

أومأت دون أن ألتفت.

وأكملت طريقي.

لأول مرة منذ خمس سنوات…

لم أكن أهرب.

كنت أمشي للأمام.

— النهاية —

حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط