الجزء الاخير

لمحة نيوز

الجزء الثاني
وصلت ليلى منصور بعد عشرين دقيقة ومعها اثنان من زملائها السابقين ومحامية متخصصة في قضايا الضحايا. دخلوا بهدوء لكن بثقة غيّرت جو الحديقة بالكامل.
شحب وجه كريم فور رؤيتهم.
— من أنتم؟
أجابت ليلى منصور بهدوء:
— أنا ليلى منصور. جئت بناءً على دعوة صاحب المنزل، وهناك امرأة تعرضت للاعتداء أمام شهود.
حاول سامي التدخل:
— ليس لكم أي صلاحية هنا.
نظرت إليه ليلى من أعلى لأسفل:
— لا أحتاج لصلاحية كي أراقب، أو أوثق، أو أستدعي من يملكها فعلاً.
ثم اقتربت من ليلى (ابنة حسن):
— هل تحتاجين طبيبًا؟
نظرت ليلى إلى كريم، الذي حدّق فيها بتهديد صامت. للحظة ظننت أنها ستصمت كالعادة، لكنها أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
— زوجي ضربني… وليس هذه المرة الأولى.
ضحك كريم ضحكة عصبية:
— إنها تبالغ… زوجتي درامية.
لكن ليلى قالت بصوت مكسور:
— أنا لست درامية… لدي صور، رسائل، وأعيش في خوف كل يوم.
ساد صمت ثقيل.
سحبتني ليلى منصور جانبًا وقالت:
— لماذا قلت إن هناك شيئًا أكبر؟
أشرت إلى السيارة الجديدة، الساعة الباهظة، ملابس سامي، وطريقة تعاملهم مع المكالمة.
— كريم يقول إنه يعمل في

“استشارات تأمين”، وسامي يبيع سيارات مستعملة… لكن كل هذا لا يفسر هذه الأموال.
عبست ليلى منصور:
— احتيال؟
— على الأرجح… منظم.
في تلك اللحظة وصل محامٍ يرتدي بدلة زرقاء داكنة. قال فورًا:
— لا تتكلموا.
ابتسمت ليلى منصور:
— جاء بسرعة مريبة… كأنه كان ينتظر المكالمة.
وصلت الشرطة لاحقًا، وتم توثيق إصابة ليلى، وأُلقي القبض على كريم بتهمة الاعتداء. أثناء اقتياده قال لها:
— ستدفعين ثمن هذا.
ثم أضاف الضابط تهمة التهديد.
حاول سامي المغادرة، لكن ليلى منصور أوقفته:
— أنصحك أن تبقى قريبًا… الليلة لم تنتهِ بعد.
في الليل، صعدت إلى غرفة ليلى القديمة. كانت تجلس على السرير تحتضن وسادة مثل الطفلة.
— سامحني يا بابا… كنت أظن أن لا أحد سيصدقني.
قلت لها وأنا أرتجف:
— أنا من يجب أن يطلب السماح لأني لم أركِ مبكرًا.
ثم أخبرتني الحقيقة كاملة.
كانت تسمع أصوات اجتماعات في القبو: حوادث مدبّرة، تأمينات، أموال، وإصابات مفتعلة. وفي إحدى المرات سمعت أن أحدهم “تأذى أكثر من اللازم”، لكن كريم قال إن التعويض سيكون أكبر.
شعرت بالغثيان.
نزلت سريعًا. ليلى منصور كانت على الهاتف.
— حسن…
هذه شبكة احتيال تأمينات كبيرة في القاهرة. ملف مفتوح منذ أشهر.
— ابنتي تستطيع كشفهم.
— نعم… لكنها أيضًا في خطر.
قبل منتصف الليل، سلمت ليلى كل شيء: صور، تسجيلات، وعناوين. من بينها مخزن في منطقة صناعية في الجيزة.
عند الساعة الواحدة صباحًا، رن جرس الباب.
من كاميرات المراقبة رأينا سامي واقفًا بالخارج ومعه رجلان… وبيده حقيبة سوداء.
الجزء الثالث
لم نفتح الباب.
أطفأت ليلى منصور الأنوار واتصلت بالشرطة.
بدأ سامي يطرق بعنف:
— حسن! افتح… نحلها كعائلة!
“كعائلة”… نفس الكلمة التي استخدموها لتبرير العنف.
وضع أحد الرجال الحقيبة قرب الباب، ثم حاولوا مراقبة الداخل. بعد دقائق وصلت الشرطة بدون صفارات، وطوّقوا المكان. حاول سامي الهرب لكنه أُمسك فورًا.
داخل الحقيبة كان: أموال نقدية، هاتف، وملفات مزورة: تأمينات، تقارير طبية، وصور لضحايا.
ومن بينها صورة لرجل اسمه محمود عبد الله، عامل بسيط من الجيزة، تم إقناعه بتمثيل حادث بسيط… لكنهم تسببوا له بإصابة خطيرة وأخذوا التعويض.
عندما رأت ليلى الصورة انهارت:
— سمعت اسمه… كريم قال إنه “لن يستطيع الكلام”.
في تلك الليلة داهمت
الشرطة شقة كريم. وجدوا أجهزة كمبيوتر، ملفات مزورة، تسجيلات لحوادث مدبرة، وقائمة طويلة بالضحايا.
ووجدوا أيضًا ذاكرة تخزين مخفية.
كانت تخص ليلى.
لقد كانت تسجل كل شيء بصمت طوال شهور.
لم تكن ضعيفة… كانت تحاول النجاة.
استمرت القضية أشهرًا. حاول كريم الادعاء أن ليلى غير مستقرة. حاول سامي الإنكار. لكن المحامي تم كشفه أيضًا لتورطه في غسل الأموال.
في المحكمة وقفت ليلى وقالت بثبات:
— صمتُ لأنني كنت خائفة… لكن الخوف لا يجعل الجاني بريئًا.
وشهد الضحايا، ومنهم محمود، الذي بكى وهو يروي كيف دُمر جسده وحياته.
بعد ساعات قليلة صدر الحكم:
سجن كريم بتهم العنف الأسري، التهديد، والاحتيال المنظم. وسجن سامي أيضًا. وسقطت الشبكة بالكامل.
بعد عام، كانت ليلى تعيش حياة مختلفة. تتلقى علاجًا نفسيًا، وتعمل مع جمعية لمساعدة ضحايا العنف، وتبتسم من جديد رغم الألم.
جلسنا في نفس الحديقة التي بدأ فيها كل شيء. قالت لي بهدوء:
— شكرًا لأنك صدقتني يا بابا.
أجبتها والدمعة في عيني:
— بل سامحيني لأنني تأخرت.
ابتسمت:
— المهم أنك وصلت.
وتعلمت يومها أن الصمت ليس سلامًا… بل مشاركة في الظلم.
وأن حماية من نحبهم تعني أحيانًا مواجهة الجميع بلا خوف.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط