الجزء الاخير

لمحة نيوز

الاخير 

لكن ما لم يتوقعه…
أنني لن أتصرف كضحية.
بل كـ… خطة.
كان يظن أنني سأرى شعري يتساقط،
أن أصرخ،
أن أغطي رأسي،
أن أنهار أمام الجميع…
وأن أركض نحوه أطلب منه الحماية… أو الصفح.
لكنه لم يفهم شيئًا واحدًا:
أنا لم أعد تلك المرأة.
عندما سقطت أول خصلة…
كنت قد فهمت كل شيء.
الرائحة الخفيفة في الحمام صباحًا…
القوام الغريب للشامبو…
نظراته وهو يراقبني وأنا أستعد…
كلها كانت إشارات.
لكنني… لم أوقفه.
لأنني أردت الدليل.
وقفت على المسرح.
الميكروفون بين يدي، والقاعة غارقة في صمت ثقيل.
كل العيون كانت عليّ…
ليس بسبب الترقية…
بل بسبب شعري الذي بدأ يتساقط تحت الضوء.
ابتسمت.
ابتسامة هادئة… لم يفهمها أحد.
وقلت:
—"قبل ما أبدأ كلمتي… حابة أشكر شخص معين."
التفتت الأنظار تلقائيًا نحو كريم.
رأيته يشد كتفيه…
يحاول التماسك…
لكنه بدأ يدرك أن الأمور لا تسير كما خطط.
أكملت:
—"أشكر الشخص اللي قرر النهاردة يختبرني… قدامكم كلكم."
همسات بدأت تنتشر.
نظرات ارتباك.
أما داليا… فبدأ لون وجهها يتغير.
رفعت يدي قليلًا…
وفي اللحظة نفسها، اشتغلت الشاشات الكبيرة خلفي.
لقطات واضحة…

من كاميرات داخل المنزل.
كريم… وهو يدخل الحمام.
يفتح الزجاجة.
يستبدل الشامبو.
ثم يبتسم.
سقط الصمت… كأنه شيء مادي.
ثقيل.
قاطع.
لا يمكن تجاهله.
—"الصورة واضحة؟ ولا نعيدها؟"
قلت ذلك بهدوء.
ثم أضفت:
—"ولو ده مش كفاية… عندي تسجيل صوتي."
وتشغّل الصوت…
صوته… وصوت داليا…
وصوت الحاجة سميحة…
— "الليلة هنكسرها قدام الكل."
— "خليها تتعلم مكانها."
— "ولا ست تهين جوزها وتعدي كده."
داليا تراجعت خطوة…
ثم أخرى…
كأن الأرض نفسها بدأت ترفضها.
أما كريم…
فلم يعد قادرًا حتى على التمثيل.
فتح فمه…
وأغلقه.
ثم قال… بصوت مكسور:
—"دي… كانت هزار."
ضحكة خفيفة خرجت مني…
لكنها لم تكن ضحكة فرح.
كانت… نهاية.
—"هزار؟"
كررت الكلمة ببطء.
—"إنك تحط مادة كيميائية في شامبو مراتك… ده هزار؟
إنك تحاول تدمرها قدام شغلها… ده هزار؟"
نظرت حولي…
إلى المدراء…
إلى المستثمرين…
إلى الوجوه التي كانت تنتظر سقوطي…
وقلت:
—"أنا كمان عندي حاجة أحب أقولها."
توقفت لحظة…
ثم أكملت:
—"أنا مش بس مديرة جديدة النهاردة."
صمت.
ترقب.
—"أنا المالكة الجديدة لمجموعة السيوفي القابضة."
القاعة انفجرت همسات.
أسماء…
أرقام… صفقات…
الجميع يعرف معنى هذا الاسم.
قوة.
نفوذ.
نهاية… أو بداية.
نظرت إلى كريم للمرة الأخيرة.
لم يعد الرجل الواثق.
ولا الزوج المسيطر.
فقط… شخص أدرك متأخرًا جدًا حجم الخطأ.
—"وبما إنك بتحب الهزار…"
قلت بهدوء قاتل:
—"هخلي المحامين يشرحوا لك باقي النكتة."
في تلك الليلة…
لم أفقد شعري فقط.
فقدت وهمًا.
وانتهيت من دور…
وبدأت حياة.
في اليوم التالي…
لم أستيقظ كضحية.
استيقظت… كقضية.
الخبر انتشر أسرع مما توقعت.
"فضيحة في حفل فاخر بالإسكندرية"
"مديرة تكشف محاولة تشويه متعمدة من زوجها"
"تسجيلات صادمة تهز رجال أعمال كبار"
كل القنوات…
كل المواقع…
كل الناس… تتحدث.
لكن أنا؟
كنت هادئة بشكل غريب.
كريم حاول يتواصل.
اتصالات متكررة.
رسائل طويلة:
— "أنا غلطت…"
— "مكنتش أقصد توصل لكده…"
— "خلينا نحل الموضوع بينا…"
لم أرد.
ولا مرة.
أما داليا…
فاختفت.
استقالت في صمت، وغادرت الشركة خلال 24 ساعة.
الناس الذين كانوا يبتسمون لها بالأمس… أصبحوا يتجنبون حتى ذكر اسمها.
الحاجة سميحة؟
لأول مرة… لم يكن لديها ما تقوله.
ولا مبرر.
ولا حتى نظرة شماتة.
فقط صمت… ثقيل.
بعد أسبوع…
كنت
أجلس في مكتبي الجديد.
نفس المكتب الذي كنت أحلم به…
لكن بإحساس مختلف تمامًا.
دخل المحامي، ووضع الملف أمامي.
— "تم رفع الدعوى."
هززت رأسي بهدوء.
— "كويس."
ثم أضاف:
— "وفي كمان عرض… من مجلس الإدارة."
نظرت له.
— "عرض إيه؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة:
— "إنك تتولي الإشراف على إعادة هيكلة الشركة بالكامل… بما فيها عقود الشراكة."
فهمت فورًا.
ومن ضمنها…
عقد شركة كريم.
تناولت القلم.
وقعت.
بدون تردد.
بعدها بأيام…
وقف كريم أمامي.
ليس كزوج.
بل… كطرف في اجتماع.
كان صوته منخفض:
— "نادين… ممكن نتكلم؟"
نظرت إليه لثوانٍ…
ثم قلت بهدوء:
— "الكلام بقى عن طريق المحامين."
حاول يقترب أكثر:
— "أنا خسرت كل حاجة…"
أجبته بدون أي انفعال:
— "لأ…"
سكت لحظة…
ثم أكملت:
— "أنت بس… أخيرًا دفعت الثمن."
مرّ شهر.
شعري بدأ ينمو من جديد.
أقصر… أضعف قليلًا…
لكن حقيقي.
زيّي بالضبط.
وقفت أمام المرآة.
لم أعد أرى نفس المرأة التي كانت تخاف أن تخسر حبًا مزيفًا…
أو ترضى بالقليل…
أو تصمت.
ابتسمت لنفسي.
وفي أول اجتماع رسمي لي كرئيسة مجلس الإدارة…
قلت جملة واحدة:
— "في شركتي… النجاح مش جريمة…
واللي يخاف من نجاح غيره… ملوش مكان هنا."
وأما عن كريم؟
فآخر شيء سمعته عنه…
أنه ما زال يردد:
— "كانت مجرد مزحة…"
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك أحد يضحك.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط