الجزء الاخير حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
بدأت ببطء. لم أصرخ. لم أقم بمشهد درامي. فقط توقفت عن الضحك.
في أول تجمع عائلي بعد ذلك، سخر خالد مني لأنني “أركن السيارة مثل امرأة خائفة”. نظرت إلى دانيال، الذي كان يجلس أمامي، وقلت بهدوء:
— غريب… دانيال لا يحتاج أن يُهين أحدًا ليشعر برجولته.
ساد الصمت على الطاولة. ضحك خالد، لكن هذه المرة لم يكن ضحكه طبيعيًا.
— يعني دانيال بقى بطل قصتك يا ليلى؟
— لا — قلت — هو فقط شخص محترم. الفرق واضح.
والدة خالد، السيدة أمينة، خفضت نظرها لتخفي ابتسامة خفيفة. منى ضغطت على يدي تحت الطاولة.
في تلك الليلة، ألقى خالد المفاتيح على الطاولة بغضب.
— مش عاجبني إنك بتستخدمي دانيال ضدي.
نظرت إليه في المرآة وأنا أخلع أقراطي.
— غريب… أنا بسمع اسم منى منك كل يوم بقالي 17 سنة.
— ده مختلف.
— أكيد… كل حاجة عندك لها مبرر.
ومن تلك اللحظة، كل “هزار” منه كان له رد.
إذا قال إن منى أجمل مني، كنت أقول إن دانيال أكثر احترامًا منه. وإذا قال إن منى ستكون زوجة أفضل، كنت أبتسم وأقول:
— ودانيال سيكون أبًا أفضل.
عندها فقط توقف عن الضحك.
لكن الانفجار الحقيقي حدث في عيد ميلاده الخامس والأربعين.
كان خالد سعيدًا جدًا… أكثر من اللازم.
رفع كأسه وقال أمام الجميع:
— شكرًا لوجودكم… وشكرًا لمراتي اللي رغم إنها مش منى، لكنها على الأقل بتحاول.
ضحك شخصان فقط. والباقي صمت.
نظرت إليّ ليلى بعينين متوسلتين.
وقفت بهدوء وقلت:
— أنا كمان عايزة أقول حاجة.
تجمد الجميع.
— أرفع نخب خالد… الرجل اللي قضى 17 سنة يظن إن إهانتي هزار… والأب اللي خلّى بنته تبكي لأنها صدقت إن في واحدة تانية كانت هتبقى أم أفضل منها.
احمر وجهه.
— انتي بتهولي الموضوع.
— وأنا كمان برفع النخب لدانيال.
تجمد دانيال في مكانه.
— لأنه لو طلب مني أمشي معاه، ما كنتش هفكر مرتين.
انفجر الصمت.
ضرب خالد الطاولة:
— انتي بتقولي إيه؟
— نفس الكلام اللي انت كنت بتقوله طول السنين… بس المرة دي مش بتضحك.
اختبأت ليلى خلف منى. تقدم خالد نحوي:
— انتي بتفضحيني في بيتي!
— لا… أنا بس بوريك صوتك الحقيقي.
صاحت منى:
— كفاية يا خالد!
فأشار إليها بغضب:
— اسكتي! كل ده بسببك!
ثم انفجرت ليلى بالبكاء:
—
تجمد خالد.
صعدت إلى الغرفة ونزلت بحقيبة سوداء.
— اطلع من البيت ده النهاردة.
ضحك بسخرية:
— أروح فين؟
— روح عند منى… يمكن هناك تحس إنك “نصيبك الحقيقي”.
نظرت منى إليه باشمئزاز:
— حتى لو كنت آخر رجل في الدنيا، مش هقبلك.
قبل أن يغادر، اهتز هاتفه. رسالة من دانيال ظهرت على الشاشة:
“خلصنا… هي لسه ما تعرفش حاجة.”
وهنا فهمت أن الانفجار الحقيقي لم يبدأ بعد…
الجزء الثالث
ساد الصمت. حاول خالد أخذ الهاتف، لكنني سبقتُه.
— اديني ده.
كان هادئًا بشكل مخيف.
نظرت إلى دانيال:
— “خلصنا” يعني إيه؟
ابتلع ريقه:
— يا ليلى… الموضوع مش زي ما انتي فاكرة.
فتحت الهاتف. نفس كلمة المرور: تاريخ ميلاد ليلى.
قرأت المحادثة… وبدأ كل شيء ينهار.
خالد: “محتاجك توقع كشاهد… لازم البيت يتنقل باسم أمي.”
دانيال: “ده غلط.”
خالد: “لو ليلى بدأت مشاكل، لازم أسبقها.”
دانيال: “هي مش عارفة حاجة.”
خالد: “ومش لازم تعرف.”
رفعت عيني.
— كنت ناوي تاخد مني البيت؟
هز كتفيه:
— حماية للعيلة.
— عيلة مين؟
تحدث دانيال بصوت مكسور:
— أنا ما كنتش عارف كل حاجة… النهاردة وقفت كل الإجراءات عند الموثق.
نظرت إليه.
— ليه ما قلتليش من الأول؟
خفض رأسه:
— كنت جبان.
صمتت.
تدخلت والدة خالد لأول مرة:
— أنا غلطت… وسكتت سنين. كنت فاكرة إن الست لازم تتحمل.
ثم أضافت:
— لكن النهاردة… مش هسكت.
لأول مرة، وقف خالد وحيدًا.
— هتيجي تندمي.
— لا.
— لما البيت يضيع منك.
— مش هيحصل.
— لما ليلى تسأل عني.
اقتربت منه:
— هتسأل عن أبوها الحقيقي… مش عن الشخص اللي كسرها.
في اليوم التالي بدأت الحرب: رسائل، تهديدات، شائعات. قال إنني أخونه مع دانيال. قال إنني أريد تدميره. لكن هذه المرة لم يصدق أحد.
منى قدمت تسجيلات له وهو يسخر. والدة خالد وقفت ضدي في المحكمة. دانيال دعم الإجراءات القانونية.
ليلى بدأت العلاج النفسي. وأنا أيضًا.
بعد سنة… وقّعت الطلاق.
في المحكمة قال خالد:
— أتمنى تسامحيني.
نظرت إليه بهدوء:
— أتمنى إنك تفهم.
في المساء كنا في البيت أنا وليلى ومنى. رفعَت ليلى كوبها:
— لماما… لأنها أقوى أم.
وبكيت… لكن هذه المرة لم أكن أختبئ.
تعلمت أن الحب ليس تحملًا… وأن “الهزار” الذي يكسر شخصًا ليس مزاحًا.
وأن الرجل الذي
وبعد 17 سنة…
أخيرًا سكت.
تمت حكايات محمد عبده