الجزء الاخير
أخويا حاول يدمرني لحد ما القاضي شاف ملفي.
اتهمني إني بمارس المحاماة بشكل غير قانوني قدام لجنة تأديبية وأنا ما نطقتش ولا كلمة لحد اللحظة اللي القاضي فتح فيها ملفي، وشه شحب فجأة، وقام واختفى جوه مكتبه.
في اللحظة دي
ابتسامة كريم منصور اختفت.
قبلها، كان واقف بثقة هادية ثقة واحد شايف النهاية مكتوبة مسبقًا.
دخل قاعة مجلس تأديب نقابة المحامين في القاهرة ببدلة كحلي مفصلة على مقاسه، كرافتة حرير متربطة بإتقان، وجزمة لامعة تعكس نور السقف.
كان شكله مش زي واحد بيشتكي
كان شكله زي متحدث رئيسي في مؤتمر كبير.
عدّى من جنبي من غير ما يبص.
وده كان أسلوبه المفضل في القسوة.
ما كانش محتاج يزعق
هو كان بيفضل يخلي الناس تحس إنها مش موجودة أصلاً.
كنت قاعدة لوحدي في مكان المتهمة، إيدي متشابكين فوق الترابيزة الخشب المتخدشة.
شنطتي كانت جنب الكرسي.
وجواها
الملف اللي هو ما يعرفش إنه موجود.
ورا كريم، كان قاعدين أهلي لابسين الدور اللي اختاروه.
أبويا، الدكتور فؤاد منصور، ضهره مستقيم وعينه لقدام، لابس خيبة الأمل زي بالطو أبيض.
أمي، ليلى، كانت بتمسح على عيون ناشفة بمنديل قماش، وعلى رجلها ملف أحمر تقيل.
أنا شفت النوع ده من الملفات قبل كده.
ده أسلوب عيلة منصور
اجمع أوراق
اشيلها من سياقها
أضف شوية تمثيل
وسمّيه حقيقة.
في النص، كان قاعد المستشار عادل الجندي، بيقلب في الملف بنظرة واحد فقد الأمل في الناس من أربعين
راجل عنده سبعين سنة، عينه ضيقة، وبيكره الاستعراض.
المحامين كانوا بيخافوا منه
لأنه كان بيلاحظ كل حاجة هم عايزينه ما يشوفهاش.
على شماله عضو شاب شكله زهقان من كونه صاحي.
وعلى يمينه عضو مدني باين عليه تايه.
ولا واحد فيهم كان مهم لسه.
المهم كان هو.
قال من غير ما يرفع عينه
أستاذ كريم حضرتك بتدّعي إن المدعى عليها ما عندهاش رقم قيد صحيح في النقابة؟
اتقدم كريم للمنصة.
وقف لحظة قبل ما يرد ساب الصمت يملأ المكان.
هو دايمًا بيعرف يستخدم الصمت.
أبويا علمه إن القوة ما تستعجلش.
ده صحيح يا فندم
وأحب أسجل إني هنا غصب عني.
سارة أختي وده مؤلم لعيلتنا.
لكن نزاهة المهنة أهم من الدم.
الدم.
الكلمة دي كانت كفيلة تخليني أضحك.
كمل بصوت هادي حزين
بقالها ست سنين، سارة منصور بتدير مكتب العدالة للاستشارات القانونية.
استلمت قضايا من ناس وثقوا فيها
قدمت مذكرات
وقفت قدام قضاة
واترافعت في قضايا بتأثر على حرية الناس وفلوسهم وعيلتهم.
لف شوية بحيث اللجنة تشوف بروفايله
واضح إنه متدرب على الحركة دي قدام المراية.
من النعومة المحسوبة في عينه.
وبعدين قالها
لكن سارة منصور ما نجحتش في امتحان المحاماة.
الجملة نزلت بالظبط زي ما هو عايز.
تقيلة قاطعة نهائية.
يتبع
الجملة نزلت تقيلة على القاعة
واستقرت في الهوا كأنها حكم نهائي.
العضو الشاب رفع عينه بسرعة، والملل اختفى من وشه.
العضو التاني رمش كذا
أمي حطت المنديل على عينها المرة دي أطول شوية.
أبويا فضل ثابت بس صوابعه شدت على بعض أكتر.
أما كريم
فكان مستني اللحظة دي من سنين.
كمل كلامه بهدوء مدروس
مفيش أي سجل بيثبت إنها اتقيدت في النقابة
ولا شهادة نجاح
ولا حتى حضور حلف اليمين.
وسكت لحظة وبعدين قال
ورقم القيد اللي بتستخدمه راجع لمحامي متوفي من سنة 1998.
همهمة خفيفة اتحركت في القاعة.
المرة دي أقوى.
لأن الكل فهم.
لو الكلام ده صح
يبقى مش مجرد مخالفة.
ده انتحار مهني كامل ومعاه تحقيق جنائي.
كل القضايا اللي اشتغلتها
كل الأحكام
كل توقيع
كله ممكن ينهار.
القاضي عادل رفع عينه أخيرًا وبص لكريم نظرة طويلة.
حضرتك متأكد من الكلام ده؟
كريم ابتسم بثقة
متأكد بنسبة مية في المية.
وعارف خطورته؟
طبعًا.
ومستعد تحلف عليه؟
ابتسامته وسعت
أكيد.
الصمت رجع تاني
بس المرة دي كان تقيل.
وبعدين
القاضي بصلي أنا.
أستاذة سارة عندك رد؟
كل العيون بقت عليّ.
أمي شدت على الملف الأحمر.
كريم بصلي بنظرة انتصار صريح.
أبويا ما رفعش عينه.
كانوا مستنيين مني إيه؟
إني أرتبك؟
أبرر؟
أنهار؟
بس أنا عملت حاجة واحدة بس.
مديت إيدي بهدوء وفتحت شنطتي.
طلعت ملف أسود رفيع
وحطيته قدامي.
كريم ضحك ضحكة خفيفة، كلها سخرية
ملف؟ بجد؟
ما رديتش.
وقفت وخدت خطوتين لقدام وحطيت الملف قدام القاضي.
القاضي عادل بص للملف وبعدين بصلي.
ده إيه؟
قلت بهدوء
الحقيقة كاملة المرة
فتح الملف.
أول صفحة
خلّت عينه تضيق.
تاني صفحة
إيده ثبتت مكانها.
تالت صفحة
وشه فقد لونه.
الصمت في القاعة بقى مرعب.
كريم ابتسامته بدأت تهتز.
القاضي قفل الملف فجأة
وقف من مكانه
وقال بصوت مش مسموع تقريبًا
الجلسة تتأجل.
ولف ودخل مكتبه بسرعة.
في اللحظة دي
كريم بطل يبتسم.
لف ناحيتي ببطء
إنتِ عملتي إيه؟
بصيت له لأول مرة مباشرة.
وابتسمت.
أنا؟ ولا حاجة
أنا بس سبت الحقيقة تتكلم.
بعد عشر دقايق
اتفتح باب المكتب.
القاضي رجع بس
مش لوحده.
كان معاه اتنين من النيابة.
والنظرة اللي في عينه
ما كانتش ليا.
كانت لكريم.
أستاذ كريم منصور
صوته كان حاد المرة دي.
هتفضل موجود لأن في شوية أسئلة محتاجين نسألهالك.
أمي وقفت فجأة
في إيه؟!
القاضي تجاهلها.
وبص لكريم مباشرة
الملف اللي قدمتيه أختك فيه تسجيلات، وتحويلات بنكية، ومستندات بتثبت إن في حد تلاعب في سجلات النقابة.
سكت لحظة
وبعدين قال
وكل الأدلة بتشير ليك.
القاعة اتجمدت.
ده كذب! كريم صرخ.
دي بتلفقلي!
بصيت له بهدوء
زي ما حاولت تعمل معايا؟
القاضي كمل
مش بس كده
في دلائل على إنك استخدمت رقم القيد القديم عشان تزرعه في بياناتها.
أبويا أخيرًا رفع عينه
بس مش ناحيتي.
ناحية كريم.
أمي المنديل وقع من إيدها.
كريم بدأ يتكلم بسرعة
أنا كنت بحمي المهنة! أنا
أنت كنت بتحاول تدمرها. القاضي قاطعه ببرود.
اتنين من رجال النيابة قربوا منه.
وفي اللحظة دي
فهم.
فهم إن النهاية
وإنه هو اللي كتبها لنفسه.
وأول ما مسكوه
بصلي.
نظرة فيها صدمة وغضب وخوف.
ابتسمت بهدوء
وقلت
كنت دايمًا فاكر إنك أذكى واحد في الأوضة
وقربت شوية
بس المرة دي
كنت أنا.
النهاية