الجزء الاخير
عمري ما هنسى ريحة المستشفى دي…
ولا شكل الإضاءة القاسية الساعة 3 الفجر — نور أبيض حاد، بارد، كأنه مش مهتم بأي حاجة بتحصل تحته.
ابني كريم خرج من البيت العصر زي كل يوم…
جزمة رياضة باينة عليها الاستعمال، وزجاجة مية أكيد هينساها في أي مكان، وطاقة طفل عنده 13 سنة تخلي الدنيا حواليه مليانة حياة.
قلت له وأنا بوصّله عند الباب:
"خد البخاخ احتياطي."
لف عينيه وابتسم نص ابتسامة، وخد الجاكيت…
وده كان آخر مرة أسمع صوته.
بعدها…
سمعت رنة موبايل… وصوت بيقولي:
"ابنك في غيبوبة… لازم تيجي المستشفى فورًا."
في الطوارئ… والإحساس إن في حاجة مش مظبوطة
جريت على مستشفى في القاهرة، ماسكة الشنطة لدرجة إن ضوافري سابت علامات فيها.
كريم كان بالفعل في غيبوبة…
متوصل بأجهزة وأسلاك… وشكله كان غريب…
كأنه ابني… وكأنه حد تاني.
طليقي محمود كان قاعد… وشه شاحب وعينه حمرا.
قال وهو بيعيط:
"مش عارف إيه اللي حصل… كنا ماشيين… وفجأة وقع."
كنت عايزة أصدقه…
لكن مش أول مرة يهمل صحة كريم.
قبلها بسنة، لغى متابعة عند دكتور القلب من غير ما يقول لي!
الدكتورة قالت:
"قلبه وقف لحظات…
وقفت جنب السرير… بسمع صوت الأجهزة… وبحاول أتماسك.
قربت من ودنه وقلت:
"أنا هنا يا حبيبي… مش لوحدك."
آخر رسالة منه كانت:
"بحبك يا ماما… هشوفك على العشا."
كان فاكر إنه راجع البيت…
محمود قال:
"كان كويس… ما قالش إنه تعبان."
سألته:
"اشتكى من دوخة؟ ألم في صدره؟"
قال بسرعة:
"لا… خالص… وقع بس."
لكن نظرة عينه قالت غير كده…
الرسالة
وأنا قاعدة… لاحظت إيده.
كانت مقفولة على حاجة.
فتحتها بهدوء…
لقيت ورقة… بخط كريم:
"يا ماما… افتحي الدولاب بتاعي علشان تعرفي الحقيقة… بس أوعي تقولي لبابا!"
قلبي اتقبض…
ليه مش عايز أبوه يعرف؟
قلت له وأنا جنب ودنه:
"وعد… هعمل كده."
نص الليل… والحقيقة
رجعت البيت…
دخلت أوضته… ريحته لسه فيها.
باب الدولاب مفتوح سنة صغيرة…
دورت في كل حاجة…
لحد ما لقيت علبة جزمة زرقا فوق.
فتحتها…
أول حاجة:
موعد عند دكتور القلب الأسبوع الجاي.
تحتها ورقة:
"تم إلغاء الموعد بواسطة ولي الأمر — محمود"
اتلغى… مش اتأجل!
وكان في ورقة صغيرة بخط كريم:
"بابا قال مش محتاجه… وماما هتقلق."
اتصلت بمحمود:
"ليه لغيت
قال:
"كنت شايفه كويس… وانتي بتكبّري الموضوع."
قلت بغضب:
"ده عنده مشكلة في القلب! المتابعة مش اختيار!"
وقفل السكة.
الفيديو
لقيت فيديو من كريم… قبل اللي حصل بـ15 دقيقة.
شغلته…
قال:
"ماما… أنا تعبان… صدري بيوجعني ودايخ… بابا بيقول مفيش حاجة… بس أنا خايف…"
وصوت محمود:
"اقفل التليفون! بلاش دراما!"
كريم بص للكاميرا…
وكان واضح إنه مرعوب…
والفيديو وقف.
القرار
كلمت المستشفى فورًا… وبلغتهم بكل حاجة.
الصبح… واجهت محمود:
"لغيت الموعد… ومنعته يكلمني وهو خايف!"
قال:
"كنت فاكره كويس…"
أخته هند شافت الفيديو وقالت له:
"هو قالك إنه خايف… وإنت تجاهلت!"
حماية كريم
عرضت كل الأدلة على الدكاترة…
الدكتورة قالت:
"من دلوقتي… إنتِ المسؤولة الوحيدة عن قراراته الطبية."
وأخيرًا… حسيت إني بحميه.
بصيص أمل
بعد شوية، الدكتورة قالت:
"حالته خطيرة… بس في أمل."
رجعت له… مسكت إيده:
"لقيت الحقيقة يا حبيبي…"
محمود جه وقال:
"أنا آسف."
قلت له:
"كريم أهم من أي حاجة… كل مرة."
النهاية
بعد أيام طويلة من الغيبوبة…
المستشفى كان هادي بشكل مخيف…
وكل الأجهزة بتصدر صوت
أنا ماسكة إيد كريم ومش عايزة أسيبها.
وفجأة…
صوت جهاز المراقبة اتغير.
الدكاترة دخلوا بسرعة.
"فيه تحسن مفاجئ!"
قلبي وقف لحظة… وبعدين ضرب بسرعة مجنونة.
وقربت منه…
ولأول مرة من أيام…
جفونه اتحركت.
ببطء…
وبعدين فتح عينه.
بصلي…
نظرة ضعيفة… لكن واعية.
حرك شفايفه بصعوبة:
"ماما… إنتِ جيتي…"
انفجرت في العياط وأنا باخده في حضني بحذر شديد.
"أنا هنا يا حبيبي… أنا هنا من أول لحظة."
الدكتور قال بهدوء:
"هو خرج من مرحلة الخطر… لكن محتاج راحة ومتابعة دقيقة."
بعد ما كل الناس خرجت…
محمود وقف عند الباب.
مش بيقرب… ولا بيبعد.
قال بصوت مكسور:
"أنا كنت فاكر إني بحميه… طلعت بأذيه من غير ما أحس."
سكت لحظة…
وبعدين قال:
"أنا مش طالب تسامح… أنا بس طالب أعرف إنك هتخليه بخير."
بصيت له… وقلت بهدوء مؤلم:
"اللي بيحمي ابنه… مش اللي بيقول إنه كويس…
اللي بيحميه… هو اللي بيسمعه لما يقول: أنا خايف."
سكت.
ومشي من غير ما يرد.
رجعت لكريم… وهو ماسك إيدي بإيده الضعيفة.
وهمس:
"أنا كنت فاكر إني هضيع…"
مسحت دموعه وقلت:
"مش طول ما أنا موجودة… ولا
وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة بس:
الخطر الحقيقي مش المرض…
الخطر الحقيقي… إن حد ما يسمعش صوت الخوف وهو لسه صغير.
وكريم…
سمعه حد.
وأنقذه.
❤️