الجزء الاخير
“هحوّل لك فلوس.”
كانت دي آخر جملة قالها “خالد” قبل ما يمشي من الحياة اللي بنيناها سوا.
مش قال “أنا آسف”.
ولا “قول لابني إني بحبه”.
ولا حتى “هرجع أشوفه”.
بس فلوس.
كأن التحويل البنكي يقدر يعوض أب عن حضن، أو حكاية قبل النوم، أو طفل بينام على صدر أبوه.
فضلت قاعدة على الكنبة وقت طويل بعد ما الباب اتقفل.
“آدم” كان نايم في حضني، إيده الصغيرة قابضة على هدومي. البيت كان ساكت إلا من نفسه، وصوت التلاجة.
ساعتها فهمت إن جوازي انتهى… لكن حياتي الحقيقية لسه بتبدأ.
في الأول، كنت فاكرة إن خالد هيرجع.
مش ليا… لكن لابنه.
كنت فاكرة إن الذنب هيصحّيه يوم من الأيام.
إن عيد ميلاد، أو صورة، أو سخونية طفل، ممكن تفكره إنه يقدر يسيب زوجة… لكن مش طفل.
لكن كنت غلطانة.
بعت فلوس 3 شهور وبس.
بعدها أقل.
بعدها متأخر.
وبعدين اختفى.
كل ما كنت أكلمه يقول إنه “بيرتب أموره”.
وكل ما كنت أبعتله رسالة، يسيبني على قراءة.
ولما آدم كمل سنة، بعتله دبدوب صغير عليه استيكر السعر… ومن غير حتى كارت.
بعدها عرفنا إنها دخلت حياته.
اسمها كان “سارة”.
بنت صغيرة، بتظهر على السوشيال ميديا كأنها كسبت جايزة: خالد معاها في مطاعم، في سفر، بيبصلها بنظرة عمره ما بصها لي.
وتحت صورة كتبت:
“الحب الحقيقي ملوش عمر.”
فضلت أبص للجملة دي لحد ما عيني وجعتني.
كنت عايزة أرد، أقول إن الحب الحقيقي ما بيتركش طفل، وما بيهربش من المسؤولية…
بس
كان عندي طفل لازم أكله.
فاشتغلت.
كنت مدرسة أدب قبل الحمل، وبعد ما خالد مشي اشتغلت أي حاجة: دروس خصوصية، تصحيح أوراق، ترجمة، وحتى كنت ببيع مخبوزات بسيطة للجيران.
اتعلمت أعيش على أقل القليل.
وأخبي دموعي في الحمام علشان “آدم” ما يسمعنيش.
لكن الأطفال بيشوفوا أكتر مما الكبار فاكرين.
لما “آدم” كان عنده 3 سنين، لقاني قاعدة على الأرض ماسكة فاتورة متأخرة.
دخل عليّ بلعبته وحطها في إيدي.
“دي ليكي يا ماما.”
وفي اللحظة دي… انهرت.
مش بصوت عالي.
بس حضنته جامد.
ومن اليوم ده وعدت نفسي:
ابني عمره ما هيحس إن الهجر أقوى من الحب.
سنين عدّت.
“آدم” كبر، وبقى طفل هادي، بيحس بأسئلة صعبة:
ليه القمر بيجري ورا العربية؟
ليه في آباء بييجوا المدرسة وآباء لأ؟
ما كنتش بكدب عليه.
كنت بقول الحقيقة بهدوء:
“باباك اختار يعيش في مكان تاني. وده اختياره مش ذنبك.”
كان بيسكت.
بس جواه كان في حاجة بتتوجع.
لحد ما في يوم قال:
“هو شافني وأنا صغير؟”
قلت بصوت واطي:
“أيوه.”
“شالني؟”
“لأ.”
سكت.
وما عيطش.
وده كان أخطر من البكاء.
بعدها بدأ يحتفظ بكل حاجة: شهاداته، رسوماته، أي حاجة تثبت إنه كويس… كأنه بيستعد لحد ممكن يرجع يوم من الأيام.
وفي مرة قال لي:
“لو جه… عايزه يعرف إني ما كنتش وحش.”
وقلت:
“هو اللي مشي مش عشانك وحش.”
بس واضح إنه ما صدقش بالكامل.
الأب الغايب مش بيختفي… ده بيعمل ظل بيكبر
كنت بحارب الظل ده كل يوم.
أروح معاه فعاليات، أساعده في المذاكرة، أضحك معاه وهو صغير، وأقف جنبه في كل حاجة.
ولما حد يضايقه ويقول: “باباك مش عايزك”، كنت أحضنه وأقول:
“إنت كنت مطلوبة من قلبي كله.”
الجملة دي بقت حياتنا.
وفي المقابل، خالد كان بيقع أكتر.
شغل يفشل، مشاريع تانية، صور شكلها نجاح بس مفيش استقرار حقيقي.
وكل شوية الناس تبعتلي أخباره.
بس أنا كنت بقول:
“دي حياته.”
وأقفل الموضوع.
لحد ما “آدم” كمل 10 سنين.
في حفل تكريم في المدرسة، بص حواليه وسألني بعده:
“هو بابا عارف إني شاطر؟”
قلت:
“مش عارفة.”
“وهيهمه؟”
دي كانت أصعب سؤال.
بس قلت الحقيقة:
“المفروض يهمه.”
وفي يوم وهو عنده 13 سنة، خالد اتصل.
بعد 13 سنة سكوت.
قال إنه عايز يشوف ابنه.
“ليه؟” سألت.
قال:
“هو ابني.”
“لا. هو ابنك، بس الأب حضور مش فلوس.”
وبعدها قفلنا.
“آدم” لما عرف، سمع بهدوء وقال:
“مش عايز أقابله.”
“متأكد؟”
قال:
“أنا كنت عايز أب… مش جمهور.”
الكلام ده كان نهاية العلاقة.
سنين عدت، و“آدم” كبر وبقى متفوق بشكل مبهر.
ولما وصل 15 سنة، قدم على منحة كبيرة من غير ما يقول لي.
وفي يوم لقيته واقف قدام البريد ماسك جواب.
“اتقبلت.”
منحة كاملة.
حضنته وعيطت من غير ما أصدق.
بعدها جه يوم الحفل.
قاعة كبيرة، عائلات، تصفيق.
ووسط الناس… ظهر خالد.
بس المرة دي كان معاه عيلته الجديدة.
وسارة كبرت، وبقت عندها طفلة
“آدم” شافه.
بس ما اتحركش.
وده خوّفني.
خالد ابتسم وقال:
“مش هتفوتني اللحظة دي.”
“آدم” رد بهدوء:
“أنت فوتت كتير قبلها.”
القاعة سكتت.
وبعدين جه المشهد اللي غير كل حاجة.
المقدم قال:
“الطالب اللي هيقرأ كلمة النهاردة هو…”
“آدم.”
طلع على المسرح.
بص عليا… ومبصش عليه.
وقال:
“لما اتطلب مني أكتب عن أكتر شخص أثر في حياتي… اخترت أمي.”
ثم أكمل:
“أمي جابتني وهي عندها 41 سنة… لما الناس قالت لها الوقت فات. وأبوي مشي لما كان عندي 3 شهور وقال إنه مش جاهز يكون أب.”
الصمت كان كامل.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت خالد:
“أبوي اداني غيابه… وأمي ادتني كل حاجة تانية.”
3 ثواني.
بس.
وبعدها القاعة كلها وقفت تصفق.
مش شفقة.
احترام.
خالد كان قاعد متجمد.
وسارة بصّت له كأنها لأول مرة تشوف الحقيقة من غير فلتر.
وبعد الحفل، “آدم” جه عندي وقال:
“عايز نروح ناكل.”
“دلوقتي؟”
“أنا جعان.”
ضحكت.
ورحنا نفس المكان اللي كنا بنروحه من سنين.
وأول مرة حسيت إن حياتي اتقفلت صح.
لأن ابني ما بقاش محتاج يثبت حاجة لحد.
وبعدها بسنين، في يوم التخرج، قال كلمة تانية.
بس المرة دي كنت عارفة إنه مش محتاج يهاجم حد.
هو بس بيقول الحقيقة:
“أنا ما كنتش طفل متأخر… أنا كنت في معادي بالظبط.”
وبص لي وقال:
“ماما كانت بتتقالها متأخرة… بس هي وصلت في الوقت المناسب لحياتي.”
وساعتها فهمت حاجة مهمة:
أنا ما خسرتش حياة بسبب اللي
أنا كسبت حياة بسبب اللي فضل.
وخالد… اختار يمشي علشان يبدأ من جديد.
بس في الآخر…
اللي بيبني، هو اللي بيكسب.
مش اللي بيهرب.
تمت حكايات محمد عبده