الجزء الاخير
الجزء الثاني
أول ليلة ليا كانت في أوضة بسيطة قريبة من وسط البلد في القاهرة.
المرتبة كانت ناشفة، الشباك ما بيقفلش كويس، والمروحة صوتها عالي كأنها هتقع من السقف…
بس لأول مرة من سنين…
مفيش حد صحيّني نص الليل يقوللي إن يوسف سخن.
مفيش حد طلب مني أغسل هدوم مدرسة.
مفيش طفل واقف بيعيط قدام بابي، وأخته خارجة "مشوار صغير".
نمت… 10 ساعات متواصلة.
ولما صحيت، فضلت باصة للسقف ودموعي نازلة في هدوء.
ما كانتش دموع حزن…
كانت راحة بتطلع من جوايا.
في اليوم الرابع، لقيت شقة صغيرة فوق مكتبة في شبرا.
مطبخ ضيق، شباك على شارع زحمة، وحمام بالعافية يكفي شخص…
بس بالنسبة لي؟
كان حرية.
اشتريت كباية بيضا، ملاية جديدة، وزرعة ريحان.
وقافلة موبايلي أغلب الوقت… كنت محتاجة سكون.
في اليوم السابع… فتحته.
لقيت:
46 رسالة من أمي،
22 مكالمة ضايعة من أختي نسرين،
وفويسات مليانة عياط أطفال وصريخ.
أمي كاتبة:
"كفاية دلع"
"أختك مش قادرة لوحدها"
"العيال بيسألوا عليكي"
"ما تبقيش قاسية على أهلك"
أما نسرين فكانت أعنف:
"بسببك ضيّعت شغل"
"يوسف رفض يروح
"ماما تعبِت من الضغط"
"إنتي أنانية"
رديت بجملة واحدة:
"أنا ما مشيتش عشان أعاقبكم… أنا مشيت عشان أنقذ نفسي."
الموبايل رن فورًا.
رديت.
ظهر وش نسرين… تعبانة، شعرها منكوش، وعينيها حمرا.
وراها:
آدم بيعيط عشان مش لاقي هدومه،
يوسف بيصرخ من الجوع،
وأمي بتحاول تمسح عصير واقع على الأرض.
"بصي اللي حصل بسببك!" صرخت نسرين
"البيت باظ! ماما ما راحتش شغلها! وأنا خسرت زباين عشان مفيش حد مع العيال!"
سكت شوية… وبعدين قلت بهدوء:
"لا يا نسرين… ده ما حصلش بسببي.
ده كان موجود من زمان… الفرق إن أنا مش موجودة أغطي عليه."
أمي مسكت الموبايل بصوت مكسور:
"يا مريم… العيلة بتساعد بعض."
رديت:
"العيلة ما تحولش بنتها لخدامة… وبعدين تطلب منها إيجار."
سكون…
السكون ده كان أول اعتراف.
بعد ما قفلت، دخلت على حساباتي:
شلت كارت البنك من تطبيق السوبر ماركت،
غيرت باسورد النت،
لغيت دفع الكهرباء التلقائي،
وقفلت تطبيق الأكل اللي كانت نسرين بتطلب منه على حسابي.
وبعدين اتصلت بالمدرسة:
"لو سمحتم، شيلوا اسمي من الأشخاص المسؤولين عن الأولاد… أنا
في نفس اليوم، بعتت نسرين رسالة خلت قلبي يتقبض:
"إنتي مش عارفة إنتي كشفتي إيه."
وساعتها فهمت…
المشكلة مش الفوضى…
المشكلة كانت الحقيقة اللي هتظهر.
الجزء الثالث (النهاية)
بعد يومين، أخويا الصغير كريم كلمني.
وهو نادرًا ما يدخل في مشاكلنا… فكنت عارفة إن الموضوع كبير.
قال بصوت واطي:
"يا مريم… لقيت ملف في دولاب ماما."
كان بيدور على ورق، ولقي صندوق قديم.
جواه فواتير أكل، صيدلية، مدرسة، إنترنت…
وكلها تقريبًا مدفوعة بكارتـي أنا.
بس ده ما كانش الأسوأ…
كان فيه كمان كشكول.
أمي كاتبة فيه مصاريف البيت.
عمود لنسرين…
عمود لكريم…
عمود ليها…
وعمود باسمي…
بس مش كاتبة "مريم".
كاتبة:
"دعم دائم"
كأني مش إنسانة…
كأني مصدر مفتوح للفلوس والتعب… عمره ما يخلص.
في نفس الليلة، نسرين جتلي البيت من غير ما تقول.
خبطت كتير… ولما فتحت، كانت بتعيط.
في إيدها كيس.
قالت:
"لقيت الفواتير… والكشكول."
دخلت، وحطت الكيس على الترابيزة.
كان فيه فلوس… مش كتير…
بس كفاية تقول إن في حاجة جواها اتكسرت.
"ده مش كل اللي لينا عندك…
ما رديتش.
غطت وشها وقالت:
"أنا كنت عارفة إنك بتعملي كتير… بس كنت بضحك على نفسي.
عشان طول ما إنتي موجودة، أنا أقدر أعيش براحتي."
الكلام وجعني…
سألتها:
"وماما؟"
قالت وهي باصة في الأرض:
"كانت دايمًا بتقول… إنتي أقوى واحدة. وتستحملي."
اتنهدت وقلت:
"القوة مش معناها إنكم تكسروني."
بعد أسبوع… رجعت البيت.
مش عشان أرجع…
عشان أقفل باب من غير كراهية.
أمي كانت في المطبخ… عينيها مورمة من العياط.
البيت لسه مش مظبوط… بس في حاجة اتغيرت.
كريم بيغسل المواعين.
نسرين بتلم هدوم.
الأولاد بيشيلوا لعبهم.
لأول مرة…
محدش مستني مني أدخل وأصلّح كل حاجة.
أمي عيطت أول ما شافتني:
"سامحيني… أنا عاملتك كأن حبك واجب."
قلت بهدوء:
"أكتر حاجة وجعتني… مش موضوع الإيجار.
اللي وجعني إني اكتشفت إني كنت بدفع… من عمري."
وطت راسها… ونسرين عيطت.
سامحتهم…
بس ما رجعتش.
حضنت الأولاد، وبوست كريم… ومشيت.
وفي الليلة دي…
وأنا واقفة في البلكونة الصغيرة بتاعتي…
فهمت حاجة عمري ما هنساها:
أنا لما مشيت… ما دمرتش عيلتي.
أنا بس شلت عنهم
ورجعت لنفسي…
أغلى حاجة كان المفروض ما حدش ياخدها مني:
حياتي.
تمت حكايات محمد عبده