الجزء الاخير
الجزء الثاني
قضت الحاجة مها الليلة في فندق بسيط قريب من الكورنيش. أوضة قديمة، وستاير باهتة، وريحتها رطوبة.
ما نامتش.
فضلت قاعدة جنب الشباك، بتبص على نور المراكب، وبتفتكر كل غرزة خياطة كانت سبب في البيت ده.
البيت ده ما كانش هدية…
ولا ورث.
بعد ما جوزها الحاج محمود مات، فضلت لوحدها بمعاش بسيط وقلب مكسور. علشان ما تنهارش، رجعت للخياطة.
خاطت فساتين أفراح…
بدل مدارس…
فساتين خطوبة…
وبناطيل شغل…
كانت بتاخد فلوس قليلة… بس كانت بتحوش كل جنيه في علبة بسكوت، وتسميها "أماني الصغيرة".
بالفلوس دي اشترت بيت قديم على البحر.
دهنته بإيديها…
غيرت ستايره…
صلحت أبوابه…
وزرعت ورد في الجنينة…
ما كانش فخم…
بس كان بيتِها… أمانها.
تاني يوم الصبح، رجعت بدري.
ما كانتش عايزة مشاكل… بس تدخل تاخد حاجتها المهمة وتكلم محمد.
لكن أول ما حطت المفتاح في الباب…
ما فتحش.
اتغيرت الكالون.
وقفت مكانها…
ساعتها فهمت إن الموضوع مش سوء تفاهم…
دي حاجة أكبر.
لفّت من جنب البيت، ودخلت من باب المطبخ القديم… الباب اللي دايمًا بيعلق.
جربت المفتاح
واتفتح.
دخلت بهدوء…
وسمعت صوت زين بتتكلم مع أمها.
— بقولك خلاص قربنا — قالت زين — محمد بيجهز الورق علشان يثبت إن الحاجة مها مش قادرة تدير أملاكها.
— وإثباتك إيه؟ — سألت أمها.
— موضوع البوتاجاز… فاكرة لما نسيت شعلة مفتوحة السنة اللي فاتت؟ هيقول ده دليل إن ذاكرتها تعبانة. وبعدها نطلب إنه هو اللي يدير البيت… ونبيعه قبل الصيف.
اتجمدت مها مكانها…
— وهي؟ — سألت الأم.
زين ضحكت ضحكة خفيفة:
— في دار مسنين برا القاهرة… هتبقى مرتاحة هناك. ومع ماكينة الخياطة، هتسلي نفسها.
الحاجة مها مسكت في الباب علشان ما تقعش…
مش بس طردوها من بيتها…
دول عايزين يثبتوا إنها "مجنونة"، ويبيعوا بيتها، ويرموها في دار.
لكن اللي سمعته بعدها كان أسوأ…
— ابن خالك خلص موضوع التوقيع؟ — سألت الأم.
— أيوه — قالت زين — باعتباره موثق مش هيحصله حاجة. ومحمد معاه ورق إنها تنازلت عن البيت… فاضل بس نعدي يومين من غير شك.
خرجت مها بهدوء… من غير صوت.
بس المرة دي…
ما كانتش ضعيفة.
كانت فايقة.
راحت على طول لمكتب المحامية أستاذة كارمن، واحدة
— يا أستاذة — قالت مها وهي قاعدة بثبات — النهارده مش جاية أطلب معروف… أنا جاية أدافع عن حقي.
لما كارمن شافت الورق…
وشها اتغير.
— يا حاجة مها… ده مش ظلم بس… ده تزوير ونصب.
وكان في ملف قدامهم…
ممكن يدمّر محمد…
بس لسه المواجهة ما حصلتش.
الجزء الثالث (النهاية)
يوم الاتنين الضهر…
رجعت الحاجة مها لبيتها.
بس المرة دي مش لوحدها…
معاها المحامية…
ووراهم اتنين شرطة ومعاهم أمر قضائي.
المزيكا سكتت أول ما دخلوا.
خرجت زين الأول… ولسه لابسة مريلة مها كأنها بتاعتها.
وطلع وراها محمد… وشه شاحب.
— يا ماما — قال وهو بيحاول يبتسم — كويس إنك جيتي… زين قالت إنك كنتِ متلخبطة يوم الجمعة.
بصت له مها… كأنه غريب.
— أنا مش متلخبطة يا محمد.
اتوتر.
— طب نتكلم بهدوء…
— العيلة مش بتغير كالون البيت في الخباثة — قالت مها — ولا بتزوّر ورق… ولا بترمي أمها علشان تبيع بيتها.
زين صرخت:
— ده كذب! إحنا كنا بنساعدك!
المحامية طلعت ملف:
— معانا نسخة من عقد مزوّر، واسم الموثق، وطلب رسمي كان بيتجهز
محمد لونه اختفى.
— يا ماما… كنت مضغوط… شغل حمايا كان محتاج ضمان… كنت هرجعلك كل حاجة.
ردت مها بصوت ثابت:
— إنت ما كنتش ناوي ترجع حاجة… إنت كنت عايز تمسحني من حياتك.
زين بدأت تعيط… بس بعصبية:
— هتفضحينا قدام الناس؟
مها قربت منها… وفكت المريلة من عليها بإيدها…
— الإهانة كانت لما اعتبرتيني "ضيفة زيادة" في بيتي.
الشرطة طلبت منهم يلمّوا حاجتهم.
المرة دي…
مافيش حد صوّت.
الكل خرج… في صمت.
حتى محمد… حاول يقرب:
— ماما…
— لأ — قالت — مش النهارده.
رجع البيت هادي…
بس مش نفس الهدوء القديم…
هدوء فيه وجع.
في الأيام اللي بعدها…
مها غيرت الكالون…
نضفت البيت…
رجّعت صورة جوزها مكانها…
محمد حاول يكلمها كتير…
ما ردتش.
كل حاجة بقت بالقانون.
بعد أسبوع…
وقت الغروب…
كانت قاعدة جنب الشباك… وفي إيديها قماشة زرقا.
البحر قدامها هادي…
مسكت الإبرة والخيط…
وقعدت تخيط.
طول عمرها كانت بتصلّح حاجات الناس…
لكن المرة دي فهمت حاجة:
مش كل حاجة ينفع تتصلّح…
في حاجات لازم تتقطع
خيطت غرزة مظبوطة…
ولأول مرة من سنين…
كان في بيتها مساحة…
ليها هي وبس.
✨ النهاية