الجزء الاخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

نزل كريم من عربيته الفخمة، وماشي وسط صفوف الزرع بثقة واستفزاز، كأنه داخل أرضه.
جزمتُه الغالية كانت بتغوص في التراب اللي اتروى بعرق سنين.
ما سلّمش… لأنه ببساطة عمره ما بييجي إلا عشان ياخد حاجة مش من حقه.
شال النضارة الشمس، وبان في عينه نفس النظرة الباردة اللي ورثها من أبوه.
قال بسخرية: "إيه الجمال ده! مزرعة محترمة فعلاً… غريبة إن محدش في العيلة يعرف عنها حاجة يا عمي!"
عم سيد وقف ثابت، إيده مليانة تراب، بس عينه قوية:
"دي حاجة خاصة يا كريم… وملهاش دعوة بحد."
كريم ضحك باستهزاء: "خاصة؟ الأرض دي كانت بتاعة عيلة الدمنهوري من زمان… وأبويا حكالي عنها قبل ما يموت.
يعني لو إنت اشتغلت فيها، يبقى شكراً على تعبك… بس ما تفتكرش إنك صاحبها!"
أحمد الدم غلي في عروقه… واتقدم خطوة: "إنت بتقول إيه؟ امشي من هنا!"
لكن المحامي اللي مع كريم فتح الشنطة وطلع أوراق رسمية:
"إحنا جايين نراجع ملكية الأرض… وفي ادعاء إن فيها حق للعيلة.

"
الغريب… إن عم سيد ما خافش.
قال بهدوء: "أنا اشتريت الأرض دي من صاحبها… ومعايا كل الورق."
كريم بص له باحتقار: "اشتريتها بإيه؟ بفلوس السجن؟ ولا فلوس مرات أخويا؟"
كلمة السجن وقعت تقيلة…
لكن عم سيد رد: "بشغل شريف… حاجة إنت ما تعرفهاش."
ساعتها أحمد فهم الحقيقة…
كريم مش عايز حق…
كريم شاف الفلوس بس.
شاف الزرع الجاهز للبيع… وقرر يسرق تعب سنين.
من غير كلام، عم سيد دخلهم مخزن صغير…
وطلع ملف كبير مليان أوراق:
عقود… فواتير… تصاريح…
وبعدين شاور على ورقة مهمة:
"نص الأرض… باسم أحمد.
والنص التاني لأمك لو حصلي حاجة."
أحمد اتصدم…
صوته خرج بالعافية: "باسمي أنا؟!"
عم سيد ابتسم: "أمك وقفت جنبي وأنا مفيش حد راضي يبص في وشي…
وده أقل حاجة أعملها."
وش كريم اتقلب… بقى كله غِل:
"حلو أوي… المجرم بقى رجل أعمال وبيوزع ثروته!"
المحامي بص في الورق… وبعد شوية قال: "الأوراق سليمة… مفيش مشكلة قانونية."
لكن كريم ما سكتش:
"أبويا كان له كلمة
على الأرض دي!"
وهنا…
لأول مرة…
عم سيد انفجر.
صوته كان تقيل ومليان وجع:
"أبوك كان عارف الأرض من 20 سنة…
بس ما تعبش فيها!"
كريم صرخ: "لأنك كنت في السجن وفضحتنا!"
سكتة تقيلة حصلت…
وبعدين عم سيد قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:
"أنا ما دخلتش السجن عشان كنت سكران…
أنا دخلته… عشان دافعت عن أبوك."
الكل اتصدم.
عم سيد كمل:
"أبوك كان بيضرب واحد جامد عشان فلوس قمار… وكان هيقتله.
دخلت أوقفه… حصلت خناقة… والسكينة كانت في إيدي في الآخر."
سكت لحظة… وقال:
"وأبوك هرب… وسابني أتحبس مكانه."
كريم وشه اصفر…
"كذب!"
عم سيد طلع جهاز تسجيل قديم…
وشغله.
وصوت أمه طلع وهي بتعيط:
"سامحني يا سيد… أبو كريم هو اللي بدأ…
بس لو الحقيقة ظهرت… سمعته كانت هتتدمر…
إنت ماكانش عندك حد… فسيبناك تتحبس…"
الصمت كان قاتل.
كريم واقف… كأنه اتشل.
عم سيد قفل التسجيل وقال:
"سامحتها… وسكت…
بس مش هسمحلك تظلمنا تاني."
المحامي قفل الشنطة: "مفيش قضية… ولو كملتوا،
سمعة أبوك هتتفضح."
كريم انهار… وبص لأحمد:
"مبسوط؟ بقيت صاحب أرض؟!"
أحمد رد بهدوء:
"لا… أنا بس ندمان إني شكيت فيه.
امشي من أرضنا."
كريم ركب عربيته ومشي…
وساب وراه تراب…
وساب وراه حقيقة كسرت عيلته.
في نفس اليوم…
رجعوا البيت شايلين أول محصول.
أم محمد كانت مستنياهم…
أول ما شافت عم سيد… حضنته من غير سؤال.
وقالت له: "كفاية تشيل ذنب مش ذنبك."
أحمد بكى… واعتذر لعمّه من قلبه.
عم سيد قال له:
"ما تعوضنيش بالكلام…
اتعلم تشتغل… وتحافظ على اللي اتبنى."
مرت الشهور…
مش كانت حياة سهلة…
فيها تعب… وفيها خسارة…
بس كانوا سوا.
العيلة اللي كانت بتشتم… رجعت تاني لما شافت الفلوس.
لكن المرة دي…
الباب ما اتفتحش.
بعد 3 سنين…
عم سيد مات بهدوء…
تحت شجرة ليمون هو اللي زرعها.
ماسابش فلوس كتير…
بس ساب حاجة أغلى:
كرامة… وأرض… وحقيقة.
العبرة:
مش كل حد الناس بتحكم عليه يبقى غلط…
وفي ناس بتدفع تمن كبير في صمت.
وأحيانًا…
العيلة الحقيقية مش
بالدم…
العيلة الحقيقية هي اللي تفتحلك بابها… لما الدنيا كلها تقفله في وشك.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط