الجزء الاخير

لمحة نيوز

أنت لا تستطيع التوقف عن التحديق في الصبي.
يقف عند باب الكوخ المتهالك، يمسك بإطار الباب بيده كأنه تعلّم ألا يفتح الأبواب على اتساعها. شعره داكن وطويل قليلًا عند الأطراف، قميصه نظيف لكنه باهت، وحذاؤه مهترئ عند المقدمة.
لكن عينيه
يا إلهي، عينيه هما عيناك.
نفس النظرة الرمادية الباردة التي كانت تُخيف رجال مجالس الإدارة طوال أربعين عامًا. نفس التركيز الحاد الذي كان والدك يقول إنه يجعلك تبدو وكأنك وُلدت غاضبًا من العالم. لكن في هذا الطفل لم تكن تلك القسوة موجودة بعد.
بل كان حذرًا.
هل أنت صديق أمي؟ سأل.
كلمة صديق.
كادت تضحك، لكن الصوت مات في حلقك.
كنت زوجها السابق الرجل الذي دمرها.
تبتلع الألم وتنظر داخل الكوخ المظلم.
هل هي هنا؟
يتردد الطفل هي نائمة.
ما اسمك؟
نوح.
الاسم يسقط على صدرك كطعنة باردة.
نوح
ثماني سنوات.
ثماني سنوات منذ أن غادرت ليلى حياتك.
لكن الحقيقة التي لم تكن تعرفها بعد أنك لم تتركها وحدها.
الطفل ينظر إليك بدقة.
أنت شكلُك تعبان.
تبتلع ريقك.
يمكن أكون كذلك.
ثم يبتعد خطوة.
أجيب ماما؟
لا.
الصوت يخرج أسرع مما يجب.
ثم تهدأ وتضيف
لو كانت نايمة ما تصحيهاش.
الطفل يضيق

عينيه.
نفس نظرتك تمامًا.
طيب ليه جيت؟
سؤال بسيط.
لكن الإجابة أكبر من أن يحملها طفل.
تتردد ثم تقول
جيت عشان كان لازم أجي من زمان.
قبل أن يسأل أكثر يأتي صوت من الداخل.
ضعيف.
متعب.
لكن مألوف بشكل يوقف قلبك.
نوح؟
تتجمد.
ماما؟ يقول الطفل.
ثم يظهر صوتها مرة أخرى
مين عند الباب؟
تغلق عينيك.
ليلى.
صوتها تغير أضعف كأنه مر عليه العمر كله، لكن ما زال فيه شيء منكسر جميل.
ثم تظهر.
تمسك بالحائط بيد وعصا بالأخرى.
وفي اللحظة الأولى لا تعرفها.
ليس لأنها تغيرت في الجمال بل لأنها لم تعد كما كانت.
ليلى كانت دائمًا ضوءًا دافئًا في عالم بارد.
والآن الضوء خافت.
شعرها مربوط، وفيه خصلات شيب، وجهها شاحب، جسدها أضعف، وساقها تكاد لا تحملها.
لكن عينيها
هما نفسهما.
وتتوقف عندما تراك.
خالد.
اسمك في فمها ليس ترحيبًا.
بل حكم.
الطفل ينظر بينكما.
إنتوا تعرفوا بعض؟
أيوه.
صوتها لا يحمل عاطفة.
فقط إرهاق.
تطلب من الطفل أن يذهب للمطبخ.
يتردد ثم يترككما وحدكما.
تسقط السنوات بينكما في صمت ثقيل.
أخيرًا تقول
وصلتك الرسالة.
أيوه.
وجيت.
أيوه.
ثم يخرج منك السؤال الذي كنت تخشاه
ليه دلوقتي؟
تلتفت نحو الكوخ وكأنها
تحمي طفلها بعينيها.
لأني خلاص مش فاضل لي وقت.
تتجمد.
وقت إيه؟
ترد بهدوء
مرض.
الكلمة تكسر شيئًا داخلك.
الداخل يصبح أصغر فجأة.
تجلس، وتتحدث عن الماضي.
عن الهروب.
عن الحمل الذي لم تعرفه.
عن الطفل الذي وُلد بعد أن تركتها.
عن فقرها، مرضها، ومحاولتها إخفاء الحقيقة عنك.
وعن رجل السلطة في القرية الذي بدأ يضغط عليها عندما علم بوضعها.
تغلي دماؤك.
لكنها ترفع يدها
متجيش تعمل فيها بطل دلوقتي. البطل متأخر أوي.
تصمت.
لأنها محقة.
تظهر الحقيقة الأشد قسوة
نوح ابنك.
الكلمات لا تحتاج شرح.
الطفل في الخارج ابنك.
أنت لا تتكلم.
أنت لم تعد تعرف كيف.
ثم تقول ليلى
لو حصل لي حاجة هو ملوش غيرك.
ترد بصوت منخفض
أنا مش هسيبه.
لكن في عينيها خوف.
ليس منك هذه المرة
بل من أنك قد تأتي متأخرًا مرة أخرى.
ثم يدخل رجل من الخارج.
شرطي محلي.
نظرة خبيثة.
ابتسامة غير مريحة.
مساء الخير.
ليلى تتوتر.
الطفل يقف أمامها تلقائيًا.
وأنت تفهم.
هذا الرجل كان يضغط عليها.
يهددها.
يستغل ضعفها.
تقوم.
امشي.
لكن الرجل يقترب.
وهنا تتغير القصة.
تتدخل.
ليس بصوتك الهادئ.
بل بصوت رجل اعتاد أن يُطاع.
قلت امشي.
صمت.
ثم ينسحب.
لكن النظرة
بينكما تقول إن الحرب لم تنتهِ.
بعد أيام
تبدأ في معرفة الطفل.
نوح يسألك عن المال، الطائرات، لماذا لا تشتري أشياء أفضل، لماذا لم تكن موجودًا.
وأنت تجيب بصراحة لأول مرة.
كنت غلطان.
سؤال بسيط يطاردك
ليه أذيت ماما؟
ترد
لأني كنت أضعف من إني أصدقها.
ثم تأتي الحقيقة التي تغير كل شيء
ليلى حالتها تسوء.
المرض ينتشر.
الأيام تصبح قصيرة.
وتبدأ تدرك أنك لا تعوض سنوات.
بل تحاول فقط ألا تخسر ما تبقى.
قبل وفاتها بأيام
تقول لك
أنا مش عايزة منك حاجة.
بس نوح.
تهز رأسك
هو ابني.
ترد
لا.
ثم تضيف
هو حياة مش ملك حد.
ثم تموت ليلى.
ليس في مستشفى فاخر.
بل في كوخ بسيط.
نوح يمسك يدها.
وأنت تقرأ لها بصوت منخفض حتى تنتهي أنفاسها.
وفي لحظة الصمت
تفهم أن بعض الناس لا يغادرون.
بل يتركونك تتغير.
بعد الجنازة
نوح يسألك
هنعمل إيه دلوقتي؟
تجلس أمامه.
نبدأ من جديد.
بس من غير ماما.
تنظر له.
عارف.
بس نكمل عشانها.
سنوات تمر
الطفل يكبر.
يتعلم.
يتغير.
وأنت تتعلم كيف تكون أبًا متأخرًا لكن حاضرًا.
وتبيع إمبراطوريتك جزءًا جزءًا.
ليس لأنك خسرت
بل لأنك وجدت ما هو أهم.
وفي النهاية
تقف مع نوح أمام البيت القديم.
يقول
هي
كانت عارفة إنك هتيجي.
تبتسم بحزن.
مش متأكد.
كانت عارفة.
يصمت ثم يقول
أنا مبسوط إنك جيت.
وهنا فقط
تفهم أن بعض القصص لا تنتهي.
بل تبدأ عندما تصل متأخرًا لكنك تقرر أن تبقى.
تمت حكايات محمد عبده

تم نسخ الرابط