الجزء الاخير

لمحة نيوز

الجزء الأول
في يوم من الأيام، دخلت امرأة تُدعى نادية عبد الرحمن، تبلغ من العمر 65 عامًا من مدينة طنطا في مصر، إلى قسم الطوارئ وهي تصرخ بأنها أخيرًا ستلتقي بطفلها المنتظر. الطبيب الذي استقبلها فقد ابتسامته فور أن رأى ما يظهر على شاشة جهاز السونار.
كانت عائلتها كلها خلفها وكأنها ليلة عيد كبير. أختها فاطمة كانت تحمل بطانية زرقاء مطرزة، وابن أخيها يصوّر بهاتفه في صمت، والجارة التي جاءت معها كانت تدعو بصوت منخفض. نادية كانت غارقة في العرق، شعرها ملتصق بجبهتها ويديها على بطنها الكبير، ولم تكن تبدو امرأة منهزمة، بل امرأة انتصرت أخيرًا بعد 40 عامًا من الألم.
على مدار عقود، كان حلم الأمومة هو الجرح الأعمق في حياتها. تزوجت وهي شابة من رجل هادئ يُدعى حسن، كان حدادًا، وتوفي بأزمة قلبية قبل أن يبلغ الخمسين. معه خاضت نادية سنوات طويلة من العلاج، التحاليل، الأعشاب، النذور، والزيارات الطبية التي كانت تنتهي دائمًا بنفس النتيجة:
“لم يحدث حمل”.
في الحي، بدأ الناس ينظرون إليها أولًا بشفقة ثم بسخرية. قال البعض إن البيت بلا أطفال بيت ناقص، وقال آخرون إن الله أعلم بحالها. لكن نادية لم تتوقف عن التمسك

بالأمل. كانت تحتفظ بسرير أطفال اشترته وهي في الثانية والثلاثين، وظل مغلفًا كأنه وعد مؤجل.
حتى بعد وفاة زوجها، وبعد تقدمها في العمر، كانت تشتري ملابس أطفال صغيرة من الأسواق وكأنها تعاند الزمن.
ولهذا عندما بدأت تشعر بتغيرات في جسدها، لم تتردد. تعب شديد، ثم غثيان، ثم تأخر غريب. أجرت اختبار حمل… ثم آخر… ثم ثالث… وكلها كانت إيجابية.
بكت أمام صورة السيدة العذراء، ثم أخرجت سرير الطفل، وغسلت الملابس القديمة، وفتحت نافذة الغرفة ليملأها الضوء.
لكن الأطباء لم يفرحوا كما توقعت. تحدثوا عن خطورة العمر، واحتمالات ضعيفة جدًا، وفحوصات رفضتها لأنها كانت مقتنعة أن طفلها بخير.
قالت بثبات: — انتظرت هذا العمر كله… لن أسمح للخوف أن يأخذه مني.
كانت تشعر فعلًا بحركة في بطنها، تغني له ليلًا، وتحلم به كل يوم.
انقسمت العائلة بين مؤيد ومعارض. لكن نادية لم تعد تسمع أحدًا.
وحين وصلت إلى الشهر التاسع وبدأت آلام الولادة، ذهبت للمستشفى وهي تبتسم وكأنها تعيش حلمها أخيرًا.
دخلت وقالت للطبيب: — خلاص يا دكتور… ابني عايز ييجي.
لكن الطبيب بدأ يفحصها ثم تغير وجهه. أجرى السونار عدة مرات، واستدعى أطباء آخرين، وبدأت
الهمسات داخل الغرفة.
نادية كانت تنتظر كلمة تطمئنها… لكن لا أحد كان يبتسم.
الجزء الثاني
أخيرًا تحدث الطبيب، وجاءت الصدمة:
لم يكن هناك طفل.
كان هناك ورم ضخم في بطنها خدع جسدها وجعلها تشعر بكل أعراض الحمل.
نادية صرخت وأنكرت وبكت، وقالت إنها شعرت بالحركة وأن التحاليل كانت إيجابية.
شرح الطبيب أن بعض الأورام النادرة تفرز هرمونات تخدع الجسم، خصوصًا في سنها، وأن الأمر استمر بسبب رفضها الفحوصات الدقيقة.
أختها انهارت وقالت إنها حذرتها من البداية، لكن ابنة أخيها دافعت عنها بعنف.
دخلت نادية في حالة صمت كامل، وكأن عالمها انهار.
تم إدخالها إلى عملية جراحية عاجلة. وفي غرفة الانتظار، لم يكن الحزن وحده موجودًا، بل الخلافات واللوم.
بعد ساعات، خرج الطبيب وأخبرهم أن الورم كان حميدًا وتم إنقاذ حياتها في الوقت المناسب.
لكن الفرح لم يكتمل، لأنه كان ممزوجًا بصدمة كبيرة.
حين استيقظت نادية، شعرت بفراغ هائل. لم يعد هناك طفل في داخلها… فقط ألم وجراحة وذكرى حلم انتهى.
عادت إلى منزلها، ودخلت الغرفة التي أعدتها بحب كبير: سرير الطفل… الملابس… الجدران الهادئة…
لكن كل شيء أصبح موجعًا.
بكت لعدة أيام، ورفضت الكلام
مع أحد.
لكن رسالة غيرت كل شيء.
وجدت رسالة من الطبيب في الغرفة.
الجزء الثالث
لم تكن رسالة طبية… بل دعوة.
كتب الطبيب أنه يعرف أن ما حدث ليس مجرد مرض، بل فقدان حلم، وأن زوجته مرّت بتجارب فقد مشابهة، وأن هناك مجموعة دعم لنساء مررن بخسارات عاطفية وأحلام لم تكتمل.
كانت الرسالة تحتوي على عنوان في مدينة المنصورة وموعد لقاء.
في البداية رفضت نادية الذهاب، لكنها في النهاية قررت أن تذهب.
هناك، سمعت قصص نساء أخريات: امرأة فقدت طفلها، وأخرى لم تنجب أبدًا، وأخرى عاشت عمرها كله في ألم صامت.
ولأول مرة، لم يصفها أحد بالوهم أو الجنون.
بدأت رحلة علاج نفسي، ثم بدأت تكتب.
كتبت عن الألم، عن الخسارة، عن الحلم الذي لم يولد.
وانتشرت كتاباتها بين النساء، وبدأت رسائل الدعم تصلها من كل مكان.
تحول بيتها القديم إلى مكان اجتماع نسائي، ليس للحزن فقط، بل للمشاركة والدعم.
أزالت سرير الطفل، لكنها احتفظت بذكرى واحدة فقط.
ومع الوقت، بدأت تفهم شيئًا مهمًا:
أن ما عاشته لم يكن جنونًا… بل أملًا أخذ شكلًا مؤلمًا.
وفي النهاية، لم تكن أمًا لطفل، لكنها أصبحت أمًا لقصص نساء كثيرات لم يسمع بهن أحد.
وكان هذا هو “الميلاد الحقيقي”
في حياتها.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط