الجزء الاخير حكايات محمد عبده
الجزء الاخير
كان صوت أختي فاطمة المتعجرف يتردد في بلاط المطبخ، وكأنه صفعة قوية في صدري.
وقفت متجمد في باب المطبخ، حاسس إن الهواء اتسحب من صدري بالكامل. شفت سميرة… مراتي… اللي شايلة في بطنها أول طفل لينا، وهي منكمشة على نفسها، مرعوبة.
كانت متعودة على الإهانة دي من شهور… وانا عمري ما كنت أعرف.
مسحت دموعها بسرعة بكمها المبلول، وابتسمت ابتسامة مكسورة جدًا.
ابتسامة ما بين الألم والانكسار.
وقالت بصوت ضعيف: — يا حبيبي… رجعت؟ استناني خمس دقايق بس… أخلص الحلة دي وأعملك أكل… أنت تعبان من الشغل.
ما قدرتش أرد. كنت بحس إن الغضب جوايا بيغلي بشكل مرعب.
قربت منها، وشلت
مسكت إيديها… وكانت صدمة.
إيديها متشققة، محروقة، ومتأذية كأنها شغالة في ظروف قاسية من غير رحمة… مش إيد مراتي الحامل اللي وعدتها أريحها.
سألتها: — ليه بتعملي كده يا سميرة؟ فين اللي بدفعله كل شهر عشان يساعدك؟ فين الشغالة؟
نزلت عينيها، ودموعها بدأت تنزل أكتر: — علام… مفيش شغالة… مامتك فصلتها من شهرين.
وقفت مكاني مصدوم.
— من شهرين؟! والفلوس اللي ببعتها كل شهر كانت بتروح فين؟
قالت وهي بتبكي: — مامتك قالت إن أخواتك محتاجين فلوس… سفر، لبس، مصاريف… وقالت إن أنا لازم أخدم في البيت عشان “أثبت إني مستاهلة”.
سكت لحظة… وكمّلت: — وقالولي
جسمي كله اتشنج.
اللي حصل كان خيانة كاملة… مش بس ليا، لكن لمراتي اللي حامل في ابني.
طلعت بيها فوق وقلت لها: — اطلعي الأوضة… اقفلي الباب… وارتاحي… مفيش حاجة هتتعملي تاني في البيت ده.
نزلت تحت… وانا مش نفس الشخص.
دخلت الصالة… لقيت نفس المشهد: ضحك، أكل، راحة، تليفزيون عالي… وكأن مفيش حاجة بتحصل.
شديت سلك التلفزيون وفصلته بعنف.
الصمت وقع فجأة.
قلت بصوت هادي لكنه مخيف: — حد فيكم يفسر ليه مراتي الحامل بتغسل أطباقكم؟
محدش رد.
ماما بصتلي وقالت: — إحنا فصلنا الشغالة… والبنت لازم تتعود على الحياة.
ساعتها فهمت كل حاجة.
طلعت تليفوني وقفلت كل البطاقات اللي بصرف بيها عليهم.
واحدة واحدة… انتهى كل شيء.
قلت لهم: — من النهاردة… مفيش فلوس. مفيش سفر. مفيش رفاهية. كل واحد فيكم هيشوف حياته بنفسه.
المشهد قلب رعب.
أختي بدأت تعيط، وماما فقدت هدوءها، لأول مرة يشوفوا الحقيقة.
قلت لهم: — البيت ده كان بيتكم على حساب مراتي… لكن خلاص انتهى.
طلعت فوق، لقيت سميرة نايمة، وحضنتها.
وفي لحظة هدوء… حسيت بحركة بسيطة في بطنها.
ابني.
وساعتها بس فهمت:
أنا طول عمري كنت فاكر إني بدعم عيلة…
بس الحقيقة إني كنت بخلي ناس تظلم مراتي وأنا مش شايف.
ومن اللحظة دي… قررت أبدأ حياة جديدة.
حياة فيها احترام… أو مفيهاش أي
النهاية.
حكايات محمد عبده