الجزء الاخير
القصر اللي في شارع “الزهراء” في الشيخ زايد كان من النوع اللي الناس تبطّأ عربياتها عشان تتفرج عليه.
بوابة سودة ضخمة، وممر واسع نظيف كأنه مرسوم… عربيات بتلمع زي المراية.
لكن جوّه؟ الجو كان تقيل… خانق.
الخدم كانوا بيتحركوا زي الأشباح…
ولا حد بيبص في عين التاني.
حتى الحاجة أم حسن، الطباخة اللي اشتغلت زمان مع ناس كبار جدًا، كانت بتمشي على أطراف صوابعها.
السبب؟ شخص واحد بس:
مدام ليلى فؤاد.
ناس كانت بتسميها “مدام التلج”… وناس “مدام الكمال”.
لكن ورا ضهرها… كانوا بيقولوا اسم تاني… اسم محدش يجرؤ يقوله قدامها.
عندها 33 سنة… طويلة، بشرتها فاتحة، ولبسها دايمًا كأنها رايحة حفلة كبيرة حتى لو نازلة الجنينة.
عطرها بيفضل في المكان بعد ما تمشي…
وكلامها كمان… بس بشكل مؤلم أكتر.
ما كانتش بتطلب… كانت بتأمر.
وما كانتش بتعاقب… كانت بتكسر.
في نص سنة بس… 9 خادمات مشيوا من نفس البوابة.
مش المشكلة في الشغل… ولا في القصر…
المشكلة كانت
جوزها، الحاج فؤاد، راجل عنده نفوذ وفلوس… قرب على الـ60، وعنده شركات كتير.
مراته الأولى ماتت من سنين… وسابت فراغ عمره ما اتملّى.
لحد ما سمر دخلت.
ولا حد سلّم عليها…
ولا حد سأل اسمها… لأنهم تعبوا يحفظوا أسماء بتتغير كل أسبوع.
مديرة البيت قالت لها بس:
"امسحي الأرضية الرخام… مدام ليلى نازلة."
سمر ما اعترضتش…
بدأت تشتغل… وعندها هدف واحد:
بنتها دينا… مريضة… والمستشفى بيغرقها ديون.
كانت بتقول لنفسها:
"استحملي… حتى لو أهانوا… استحملي… 3 شهور بس."
وفجأة… صوت الكعب.
“تك… تك… تك…”
رفعت سمر عينيها… وشافتها.
مدام ليلى واقفة فوق السلم… ماسكة فنجان شاي… وبصتها كلها استعلاء.
بصّت على الأرض… على الميه…
وفجأة قلبت الجردل!
الميه غرّقت الأرض.
قالت ببرود:
"مش بحب حد يقف في طريقي… نظفي تاني."
سمر ما ردتش…
كملت شغل… هدومها اتبلت… بس قلبها كان ثابت.
واحدة من الخدم همست:
"دي مش هتكمل… شكلها ضعيفة."
لكن الحقيقة؟
سمر كانت أقوى من
بس قوتها كانت هادية.
عدّى يوم… واتنين… وتلاتة…
مدام ليلى بدأت تستفزها أكتر:
تخبي هدومها
توقع حاجات وتتهمها
تسكب عصير على السجادة وتقول “غلط”
وسمر؟
ولا كلمة… ولا دمعة.
بس تشتغل… وتقول:
"حاضر يا مدام."
حتى الحاج فؤاد بدأ يلاحظ.
في يوم قال لها:
"إنتِ مش بتشتكي؟"
ابتسمت وقالت:
"الحياة يا بيه مش سهلة… بس هنعدي."
ومع الوقت… حاجة غريبة حصلت…
هدوء سمر…
بدأ يكسّر مدام ليلى من جوّه.
لحد يوم…
سمر شافتها في المراية… قاعدة على الأرض…
وشها باين عليه تعب… وكأنها بتعيط.
أول مرة تبان “بني آدمة”.
سألتها فجأة:
"إنتِ ليه مستحملة؟"
قالت سمر بهدوء:
"عشان بنتي…"
وسكتت شوية وقالت:
"لما تشوفي الموت بعينك في المستشفى… مفيش حاجة تكسرك تاني."
ساعتها… مدام ليلى اتكلمت لأول مرة بصدق:
"قالوا عليا إني مش مناسبة… إني مجرد زوجة شكل…
فحبيت أتحكم في كل حاجة… عشان أحس إني قوية."
سمر ما نصحتش…
ولا ردّت…
بس قعدت جنبها.
وده كان أول تغيير حقيقي.
من اليوم ده…
البيت بدأ يهدى.
مدام ليلى بطلت صراخ…
وبدأت تقول: “شكراً”.
وفي يوم… قالت لسمر:
"خدي أجازة… روحي لبنتك."
ومدتها فلوس.
سمر راحت المستشفى… حضنت بنتها…
وكانت أول مرة تحس إن في أمل.
وبعد أيام…
مدام ليلى ساعدتها توصل لمؤسسة خيرية…
والمفاجأة؟
تكفلوا بعلاج بنتها بالكامل.
سمر انهارت من الفرحة…
وراحت قالت لها:
"إنتي السبب."
مدام ليلى ردت:
"لا… إنتي اللي غيرتيني."
وبعد أسابيع…
العملية نجحت…
بنتها خفّت.
ولما رجعت البيت…
كل الخدم كانوا مستنيينها…
بيحتفلوا بيها.
ومدام ليلى سلمتها ورقة:
ترقية: مشرفة على كل العاملين في البيت
قالت لها:
"إنتي مش بس نظفتي البيت…
إنتي نظفتي الخوف… والوجع."
وبعد كده…
سمر بقت قلب المكان.
ومدام ليلى؟
رجعت إنسانة.
وفي يوم هادي…
قالت لها مدام ليلى:
"كنت فاكرة القوة في السيطرة…
بس إنتي علمتيني إنها في الصبر."
وسمر ردت بابتسامة:
"أوقات… أقوى ناس هما اللي بيفضلوا… مش اللي بيهربوا."
النهاية:
مش
ولا شجاعة ظاهرة…
أحيانًا…
القوة الحقيقية
إنك تفضل…
لحد ما تغيّر كل حاجة.
تمت حكايات محمد عبده