الجزء الاخير حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
— هذا لا يبدو جرعة عشوائية — قال الدكتور “إيهاب” وهو يخفض صوته كأن الجدران قد تسمعه — التحاليل تُظهر أنه تم إعطاؤها هذا الدواء أكثر من مرة.
أكثر من مرة.
شعرت أن يديّ تحترقان. كانت “ليلى” نائمة على السرير الطبي، ساكنة أكثر من اللازم، تحتضن دميتها الصغيرة. في غرفة الانتظار كان الناس يعيشون حياتهم بشكل طبيعي… طفل يبكي، وسيدة تطلب دواء، وممرضة تنادي اسم مريض. أما أنا فكنت خارج هذا العالم.
— هل هذا سم؟ — سألت.
تنهد الطبيب.
— هو مضاد للحساسية، لكن بجرعات غير طبيعية وبدون إشراف طبي، قد يصبح خطيرًا جدًا. يسبب نعاسًا شديدًا، ارتباكًا، واضطرابًا في القلب. من الواضح أن أحدًا كان يقوم بتهدئتها قسرًا.
تهدئتها قسرًا.
لم أستطع الكلام للحظات، لو فتحت فمي سأصرخ.
— يجب أن أبلغ الجهات المختصة — قال الطبيب — والأهم أن الطفلة لا تعود إلى نفس المنزل اليوم.
— لن تعود — قلت فورًا، دون تفكير.
أمسكت الهاتف لأتصل بابني “أحمد”، لكن قبل
رددت.
— أين ابنتي؟ — قالت بصوت غاضب.
— في عيادة.
صمتت لحظة.
— ماذا فعلت بها؟
— التحاليل أثبتت وجود دواء في دمها.
تأخرت في الرد.
— الأطفال يأخذون أشياء من أنفسهم، أنت تعرف ذلك.
— عمرها سبع سنوات.
— لهذا السبب… لا تفهم.
في تلك اللحظة فهمت أن الأمر ليس سوء فهم. بل شيء آخر أخطر.
أغلقت الهاتف واتصلت بابني. لم يجب. أرسلت له رسالة: “تعال فورًا، الأمر خطير، يتعلق بليلى.”
بعد دقائق وصل وهو متوتر، وزوجته خلفه تبكي بدون دموع.
— والدك يتهمني! — قالت فورًا — يريد أخذ ابنتي!
نظر إليّ ابني وكأنني أنا المتهم.
أعطيته نتائج التحاليل. قرأها بصمت، ثم شرحها الطبيب.
تغير وجهه بالكامل.
أما “هالة” فقالت ببرود:
— كنت أعطيها نقطًا صغيرة فقط… كانت تزعجني. لا أحد يساعدني. لا أحد يفهم ضغط العمل… وأنا كنت أحتاج للهدوء.
تحركت “ليلى” قليلًا وهمست:
— ماما… ما أبغى العصير…
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت الجملة التي كسرت الجميع:
—
الجزء الثالث
الحقيقة لم تنفجر فجأة… بل تسربت قطعة قطعة، وكل قطعة كانت أسوأ من التي قبلها.
ابني فتح هاتف زوجته عندما خرجت لتكلم أختها. لم يكن تصرفًا أخلاقيًا، لكن لم يعد هناك شيء طبيعي في ذلك اليوم.
وجد رسائل من امرأة اسمها “مريم”:
— “اديها حاجة في العصير، الموضوع بسيط.”
— “كده تقدري تشتغلي براحتك.”
— “لو حد سأل، قولي إنها تعبانة نفسيًا.”
ثم رسالة أخرى كانت كالصاعقة:
— “لو اتعرضت للترقية، هتقدري تشغلي حد يساعدك… طفلة نايمة مش هتفرق.”
كانت تعمل من المنزل وتنافس على ترقية وظيفية. كانت اجتماعاتها في نفس وقت عودة الطفلة من المدرسة، ومع ضغط المسؤوليات اختارت الطريق الأسهل… بدل أن تطلب المساعدة، جعلت ابنتها “تختفي” بالنوم.
لكن الأخطر من ذلك… أن الطبيب أكد أن الحالة ليست جديدة.
ربما أكثر من شهر كامل.
“ليلى” لم تكن كسولة، ولا مدللة، ولا تتخيل. كانت تعيش أيامها وهي شبه مخدّرة داخل بيتها.
عندما وصلت الشرطة،
— أنتم لا تفهمون معنى أن تكوني وحدك!
لكن ابني رد بصوت مكسور:
— الوحدة لا تعطيك الحق أن تخدّري ابنتنا كأنها عبء.
ليلى بقيت معي.
في البداية كانت تستيقظ بخوف وتسأل إن كان عليها شرب العصير. كنت أطمئنها أن لا أحد سيجبرها على شيء مرة أخرى. كنت أعطيها ماء ولبن وعصير طبيعي وأتركها تختار بنفسها.
ومع الأيام… عادت.
عاد ضحكها، عاد جوعها، عادت تركض في الحديقة، وتغني وهي تمشط شعرها.
ابني لم يستطع النظر في عيني لثلاثة أيام.
— خذلتها يا أبي — قال.
— أنا لم أخذلها… أنت الذي فعلت.
وبكى لأول مرة منذ سنوات.
بعد أسابيع جلست “ليلى” بجانبي عند باب البيت.
— جدو… ماما زعلت مني عشان قلت الحقيقة؟
سكت لحظة ثم قلت:
— أحيانًا الحقيقة تزعج من أراد إخفاءها.
حضنت دميتها وقالت:
— يعني كان لازم أقولها؟
ابتسمت لها.
— أيوه… كان لازم.
لأن الطفل لا يعرف دائمًا كيف يطلب النجدة…
أحيانًا يهمس فقط.
وعندما يهمس… يكون على الكبار أن يختاروا: إما أن
أو يغيّروا حياة طفل للأبد.
حكايات محمد عبده