الجزء الاخير حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
كان الصندوق… فارغًا.
فراغ غريب، مخيف… كأنه يبتلع كل شيء حوله. وقفت مشدوهًا، عاجزًا عن الكلام أو حتى التفكير. نظرت إلى فاطمة… لكنها لم تتحرك، ملامحها ثابتة، وكأن كل شيء طبيعي.
لم يكن الضوء الخافت هو ما أقلقني…
بل السؤال الذي بدأ ينهش عقلي:
كيف عرفت بوجود الصندوق؟
وكيف عرفت أنني سأجده هنا؟
الأسئلة تكدست داخلي، واحدة تلو الأخرى… وكلها أثقل من التي قبلها.
لم تتكلم.
فقط وقفت… وكأنها تنتظر مني أن أفهم شيئًا أنا نفسي لا أفهمه.
كان هدوؤها مخيفًا.
الضعف الذي رأيته فيها أول مرة… لم يعد موجودًا.
وكأنه كان مجرد قناع.
قلت بصوت مرتعش: — ليه الصندوق فاضي؟
لكنها لم ترد.
عادت تمسك يدي… هذه المرة بقوة أكبر، وكأنها تثبتني في مكاني.
كان كأنها ترى… ما هو أبعد من الظلام نفسه.
العرق بدأ ينزل على جبيني… والقلق تحول إلى خوف حقيقي.
الساعة على الحائط دقت… منتصف الليل.
وكأن الزمن توقف.
استدارت نحوي ببطء… وملامحها هادئة بشكل مرعب.
ثم قالت بصوت منخفض، كأنه همس:
— أنا مش عمياء يا أحمد.
تجمدت في مكاني.
كل شيء صدقته… كل شيء قبلته… انهار في لحظة.
قدماي ضعفت… لكنني بقيت واقفًا بصعوبة.
البقرتان… الصندوق الفارغ… كل شيء بدأ يأخذ معنى… لكنه معنى مرعب.
اقتربت مني خطوة… ورفعت عينيها نحوي مباشرة.
نظرتها كانت حادة… تخترقني من الداخل.
ثم قالت:
— اللي عملته… ماكانش تضحية يا أحمد… كان صفقة.
لم أفهم.
صفقة؟
قبل أن أنطق، سُمِع صوت طرق قوي على الباب.
قفز قلبي من مكانه.
قالت بهدوء: — من دلوقتي… كل حاجة هتتغير.
وفجأة… انفتح الباب بعنف.
وظهر أمامي شخص… لم أتخيل أبدًا أن أراه.
الجزء الثالث (النهاية)
وقف عند الباب رجل طويل، يرتدي ملابس سوداء، ووجهه مخفي في الظل.
لم أرَ عينيه…
لكنني شعرت بثقل في الهواء… كأن الغرفة كلها تضيق بنا.
فاطمة لم تتحرك.
لم تتفاجأ.
بل بدت وكأنها تعرفه… وكأنها كانت تنتظره.
تقدم الرجل خطوة، وقال بصوت عميق:
— جه وقت الحساب يا أحمد.
شعرت ببرودة تسري في جسدي… وكأن الأرض تهتز تحت قدمي.
كل شيء بدأ يتضح… بشكل مرعب.
الصندوق الفارغ…
بيع البقرتين…
الزواج…
لم يكن أيٌّ من هذا صدفة.
قالت فاطمة، دون أن تنظر لي:
— التضحية
صرخت: — تضحية إيه؟! أنفذ إيه؟!
لكن لم يجبني أحد.
الرجل اقترب أكثر… وكأنه يعرف كل أفكاري.
ثم قال:
— الصفقة دي… ما ينفعش ترجع فيها.
في تلك اللحظة… فكرة مرعبة ضربت عقلي:
هل أمي كانت تعرف؟
هل هي اللي عملت الصفقة دي… علشان تنقذنا؟
لكن… على حساب مين؟
قبل أن أستوعب، تقدمت فاطمة نحوه… وقالت كلمة واحدة جعلت دمي يتجمد:
— هرجع بيتي.
وفجأة…
انغلق الباب بعنف.
وتغير كل شيء.
الهواء أصبح باردًا… فارغًا… كأن الحياة نفسها خرجت من المكان.
وقفت وحدي…
لا أفهم شيئًا.
الصندوق الفارغ أمامي…
وصوتها يتردد في رأسي:
“هرجع بيتي…”
نظرت إلى الساعة…
كانت تشير إلى الواحدة.
انتهى كل شيء…
لكن الثمن؟
لم أكن أعرفه بعد.
لكنني كنت متأكدًا
حياتي… لن تعود كما كانت أبدًا.
تمت حكايات محمد عبده