الجزء الثاني والاخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء الثاني
قالت مريم:
“ماما سابت دليل…”
أربع كلمات بس… قلبوا كل حاجة.
المطبخ كان هادي، غير صوت التلاجة القديمة وزقزقة العصافير برا. البنات التلاتة واقفين قدامي… كأنهم خلاص مش قادرين يشيلوا السر لوحدهم.
سألتها:
“دليل إيه يا حبيبتي؟”
ليلى طلعت فلاشة صغيرة من جيبها…
هنا حطت موبايل قديم لأمها على الترابيزة…
ومريم فتحت شنطتها وطلعت كشكول أزرق قديم.
قالت:
“ماما كانت بتكتب كل حاجة… قالت لو حصل لها حاجة، صوتها ما يختفيش.”
رحنا شقة بنتي في نفس اليوم…
كريم ما كانش موجود. الجيران قالوا إنه خرج بدري مع واحدة ست… شعرها أصفر، وراكبين عربية بيضا.
قلبي اتحرق… بس ما بينتش قدام البنات.
البيت كان لسه فيه ريحة بنتي…
ريحة كريم فانيليا، هدوم نضيفة، وبرفان بسيط كانت بتحبه.
مريم دخلتنا على الدولاب… ومن ورا كراتين الأحذية طلعوا:
دفاتر…
إيصالات…
ورق مطبوع…
وملف أصفر.
قعدنا على السفرة…
فتحت أول كشكول.
في الأول… حاجات عادية:
طلبات البيت، مصاريف المدرسة، مواعيد دكاترة…
بس بعد شوية… خط بنتي اتغير.
بقى مضغوط… سريع… خايف.
“كريم بيقول البنات عبء…”
“لغى معادي مع دكتور القلب…”
“الشغل نقلني لمكان تاني…”
“كريم هو

المسؤول عن النقل في الشغل…”
حسيت الأرض بتهتز تحتي.
بنتي كانت شغالة معاه في نفس الشركة…
أنا كنت فاكر إنه بيساعدها…
كملت قراءة…
“طلبت إجازة… اترفضت…”
“صدري بيوجعني وأنا طالعة السلم…”
“بيقول إني ببالغ…”
“قال لي لو الحياة تقيلة عليّ… يمكن هي تخلص مني…”
قفلت الكشكول.
ما قدرتش أكمل.
ليلى بدأت تعيط:
“أنا سمعته يا جدو… قال لماما محدش هيحس بيها لو اختفت…”
هنا قالت بصوت واطي:
“ولما كانت بتعيط… كان يعلي صوت التلفزيون…”
مريم ركبت الفلاشة في اللاب…
كانت الكارثة:
رسائل…
تسجيلات…
سكرين شوت…
في تسجيل، كريم بيقول:
“أنا زهقت من العيلة دي… تقيلة عليّ.”
وفي رسالة من واحدة اسمها رانيا:
“أول ما تبقى حر… نبدأ من جديد. بس من غير بنات.”
رد عليها:
“سيبِك… أنا بظبط الموضوع.”
بس الضربة الأكبر كانت لسه جاية…
لقينا مشاركات ليه باسم مزيف على الإنترنت…
بيتكلم عن زوجة مريضة…
وبنات مش عايزهم…
وحياة جديدة “يستحقها”.
وجملة واحدة خلت دمي يتجمد:
“في ناس مش بتمشي… بس جسمها في الآخر بيشيلها من الطريق.”
ساعتها فهمت…
ده ما كانش إهمال…
ده كان قتل بالبطيء.
في نفس اليوم… رحت لمحامي اسمه الأستاذ شريف.
راجع كل حاجة بهدوء…
وبعد
ما خلص قال:
“يا عم حسن… ده مش بس حضانة.
ده فيه تعنيف نفسي… استغلال شغل… وإهمال متعمد… ويمكن جريمة.”
سألته:
“والبنات؟”
قال:
“لازم نحميهم… وكريم ما يعرفش إحنا معانا إيه.”
وده اللي حصل…
الجهات المختصة تدخلت…
والبنات بقوا معايا…
الشركة فتحت تحقيق…
والقضية بدأت…
وكريم؟
ولا كأنه في حاجة.
بعد شهرين… أعلن جوازه من رانيا.
صور… بدلة… بوستات:
“بعد الألم… ربنا عوضني.”
مريم شافت… وما علقتش.
بس قالت:
“يبقى ربنا يسمع الحقيقة كمان.”
وساعتها فهمت…
الجواز ده… مش هيتم على خير.
الجزء الثالث (النهاية)
الكنيسة مليانة ورد أبيض…
مزيكا هادية…
ناس لابسة شيك… وكأنهم نسوا كل حاجة.
كريم داخل مبتسم…
ورانيا مستنياه بفستان أبيض…
كأن سعادتهم مش مبنية على موت واحدة لسه مدفونة.
دخلت أنا والبنات…
مريم لابسة أسود…
ليلى ماسكة صورة أمها…
هنا ماسكة في إيدي… بس المرة دي مش خايفة.
الناس بصت لنا… وسكتت.
كريم لمحنا… وابتسامته اختفت.
قرب وقال:
“إنتوا جايين تعملوا إيه؟”
مريم ردت:
“جايين نقول الحقيقة.”
قبل ما يتكلم…
الباب اتفتح.
دخل رجال شرطة…
ومعاهم المحامي…
ومندوب من الشغل…
المزيكا وقفت.
قال الضابط:
“كريم… لازم تيجي معانا.

الهمس بدأ يعلى…
كريم حاول يضحك:
“أكيد في غلط… أنا في فرحي!”
قالوا له:
“مفيش غلط.”
المحامي قال:
“في بلاغ رسمي… وأدلة على تعنيف واستغلال وإهمال متعمد.”
رانيا وشها شحب:
“إيه الأدلة؟!”
مريم فتحت الكشكول الأزرق…
وقالت بصوت ثابت:
“ماما كتبت كل حاجة… كل مرة اتأذت فيها… كل مرة تعبها اتسحب منها…”
ورفعت الموبايل:
“وسابت تسجيلات… وإحنا كمان سجلنا.”
كريم صرخ:
“دول عيال! مش فاهمين!”
ليلى قالت:
“فاهمين… وسمعناك.”
هنا قالت بصوت صغير:
“سمعتك وإنت بتقول لما ماما تموت هترتاح…”
سكون تام…
رانيا بعدت عنه…
وسألته:
“ده حقيقي؟”
ما ردش…
وسكوته… كان اعتراف.
الشرطة خدته…
وهو خارج… قال لمريم:
“أنا أبوك.”
بصت له وقالت:
“أمي كانت بتحاول تنقذ العيلة… إنت كنت بتحاول تخلص منها.”
وساعتها… سكت.
لأول مرة.
القضية خدت وقت…
وخسر كل حاجة:
شغله…
سمعته…
وبناته.
وجوازه؟
انتهى قبل ما يبدأ.
أما الأهم…
فكان في بيتي أنا.
هنا بقت تنام من غير نور…
ليلى رجعت تضحك…
ومريم حطت كشكول أمها في علبة وقالت:
“ماما كانت هتكون فخورة بينا.”
دلوقتي البيت فيه حياة تاني…
صوت… ضحك… مشاكل عادية… أكل… دفا.
وأنا… لما بروح قبر بنتي…
ما بروحش أعيط
بس…
بروح أحكيلها عن:
بناتها…
حقيقتها…
وشجاعتها.
كريم افتكر إن العيلة عبء…
بس الحقيقة؟
العيلة… لما تكون حب… بتسندك مش بتكسرك.
وهو دفع تمن غلطته…
كلها.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط