الجزء الثالث والاخير حكايات محمد عبده
الجزء الثاني: “ظنت أنني لا أنتمي لبيتي… فتركتها تواجه الحقيقة التي بنيتها في صمت”
استخدمتُ أموال التأمين على الحياة وجزءًا من مدخراتي التقاعدية، واشتريت قطعة أرض على الجانب الشرقي من بحيرة "عين الجبل".
كانت الأرض تكلفتها 87 ألفًا.
أتذكر أنني كتبت الشيك في مكتب المحامية "سارة أمين" — كانت قد تولت شؤون تركة زوجي الراحل، وكانت من القلائل الذين يتحدثون إليك كبشر، لا كملف قانوني.
كانت يدي ترتجف، فسألتني إن كنت أحتاج دقيقة.
قلت: لا.
ما أريده هو الملكية… الورق الذي يثبت أن هذا المكان أصبح لي.
كانت الأرض ضيقة عند الطريق، وتفتح تدريجيًا نحو البحيرة، تحيط بها أشجار الصنوبر، مع ميل خفيف يسمح برؤية الماء من الشرفة.
أول مرة وقفت هناك وحدي بعد الشراء، جاء الهواء من البحيرة محمّلًا برائحة الخشب والرطوبة… ورائحة شيء يشبه “البدء من
لم يكن حزنًا فقط…
كان شيئًا أثقل وأهدأ… هدفًا ينبض.
استأجرت مقاولًا يُدعى "أدهم عبدالقادر".
رجل في الستين، يديه خشنتان كالأحجار، وصوته كأن الحصى يُصب في وعاء معدني.
قال لي وهو ينظر للمخطط:
"متأكدة إنك عايزة الشرفة بالطول ده؟"
قلت: نعم.
"ومكان مفتوح جنب المطبخ؟"
قلت: نعم.
نظر لي قليلًا ثم قال:
"عندك أحفاد؟"
قلت: خمسة.
فقال ببساطة:
"يبقى خلّي الشرفة أكبر."
ومن هنا عرفت أننا سنتفاهم.
بنى الهيكل… وأنا اخترت كل شيء بعده.
اخترت الأرضيات الخشبية العريضة، واخترت حجر المدفأة بعد أن زرت ثلاث ورش، أطرق كل حجر بإصبعي لأسمع صوته… لأن زوجي الراحل كان يقول إن الحجر “لازم يكون صادق”.
اخترت مقابض نحاسية، وبابًا أخضر داكنًا، ومغسلة عميقة، وأرجوحة في الشرفة دفعتها قليلًا نحو الغرب حتى أرى غروب الشمس كاملًا.
استغرق البناء أحد عشر
كل أسبوعين كنت أذهب من المدينة إلى البحيرة.
أحمل القهوة للمقاول، وأمسح نشارة الخشب عن الأرض، وأقف وحدي في المطبخ قبل أن تكتمل الجدران وأبكي بصمت.
كنت أسمع البكاء يرتد من الجدران كأنه صوت حياة أخرى مكسورة.
لم أضع اسمًا على البيت رسميًا…
لكن في قلبي سميته: “بيت الهدوء”.
الجزء الثالث
لم أذهب إلى البيت ذلك الصيف.
لا في يونيو، ولا في يوليو، ولا حتى عندما كانت الأزهار التي زرعتها قد تفتحت بالكامل.
بقيت في منزلي، أعتني بحديقتي الصغيرة، وأترك الصمت يقوم بما يجيده.
ابنتي "ريم" ظنت أن صمتي استسلام…
لكنها لم تكن تعرف أن الصبر يمكن أن يتحول إلى شيء أشد من الألم.
أنهيت الأوراق القانونية يوم خميس صباحًا.
وضعت المحامية "سارة" الورقة الأخيرة أمامي وسألتني بهدوء:
"هل أنتِ متأكدة؟"
أجبت: نعم.
لكن الحقيقة… أن الكلمة لم تكن “متأكدة”.
كانت: “انتهى الأمر”.
في الرابع من يوليو، وصلوا إلى البيت.
رأيت الصورة في مجموعة العائلة:
الأطفال على الرصيف الخشبي، زوج ابنتي يضحك، وأهله يقفون على الشرفة كأنهم أصحاب المكان.
حدقت في الصورة طويلًا.
ثم أغلقت الهاتف.
بعد قليل… رن الهاتف.
كان صوت ابنتي مضطربًا:
"ماما… في حد في البيت… في عربية في الممر… الباب مش بيفتح…"
تركتها تتكلم… حتى وصلت لذروة الخوف.
ثم قلت بهدوء:
"أنا اللي خلّيت المكان يفضى."
صمتت.
ثم همست:
"إنتِ بعتي البيت؟"
قلت:
"أنا خلصته."
سكون طويل.
ثم الحقيقة نزلت عليها كاملة:
البيت لم يعد ملكهم.
لقد تم بيعه.
لعائلة شابة… تنتظر طفلها الأول.
لم يكن انتقامًا.
كان إغلاق دائرة.
في تلك الليلة، وقفت في مطبخي، وبدأت أعدّ شوربة الدجاج والزلابية.
ببطء هذه المرة.
بدون استعجال.
وبينما كانت الحبات ترتفع في القدر… شعرت
تمت حكايات محمد عبده