الجزء الاخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

كان الصوت… صوت سمر، لكن مختلف…
أخفض، متعب… وكأنه يحمل سنوات من الصمت.
نزلتُ الدرج بسرعة…
ورأيتها واقفة عند الأسفل… تنظر إليّ.
مرّ اثنا عشر عامًا منذ آخر مرة رأيتها…
ما زالت جميلة… لكن نحيفة…
وعيناها… كان فيهما تعب عميق.
نظرنا إلى بعضنا لثوانٍ…
ثم اقتربت واحتضنتني بقوة… دون بكاء… فقط صمت.
كنت أرتجف وقلت:
"هو ده حياتك يا سمر؟"
ابتعدت قليلًا… ونظرت في عينيّ مباشرة.
ثم قالت بهدوء:
"يا ماما… ما كانش لازم تيجي."
أمسكتُ يدها وقلت:
"فين جوزك؟ ليه مش عايش هنا؟ وليه في فلوس كتير فوق؟"
سكتت طويلًا…
ثم قالت جملة كسرتني:
"أنا… مش متجوزة."
شعرت أن الدنيا وقفت.
"إزاي؟!"
قالت:
"أنا كذبت عليكِ من 12 سنة…"
تابعت بصوت مرهق:
"الفلوس اللي كنت ببعتها… مش من جوز…
أنا اللي كنت بتعب فيها."
سألتها وأنا منهارة:
"بتجيبي كل ده إزاي؟!"
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
"مقابل وقتي… وجزء من حياتي."
جلست وبدأت تحكي…
من 12 سنة، بسبب الفقر،

والديون، ومرضي أنا…
سافرت كوريا تشتغل مترجمة.
وهناك… قابلت رجل غني اسمه "كانغ جون".
قالت:
"ما كنتش مراته…
بس كنت مضطرة أكون قدامه المرأة المثالية."
"أبتسم لما لازم…
وأسكت لما لازم…
وأعيش دور… مش أنا."
شعرت أن قلبي يُعصر.
قلت لها:
"كنتِ بتتألمي لوحدك؟!"
هزّت رأسها:
"آه… بس لو ما عملتش كده… كنا هنعيش إزاي؟
كنت هتعالجي إزاي؟
نسدد الديون إزاي؟"
بكيت… لكن بصمت.
أشارت إلى البيت وقالت:
"البيت ده مش بتاعي… ده تابع له."
"والفلوس اللي فوق… دي فلوس لسه ما استخدمهاش."
ثم أضافت:
"أنا عندي عقد…"
لو سابت الشغل قبل مدته…
لازم ترجّع كل الفلوس…
أكتر من 90 مليون.
"فاضل سنتين بس…"
فهمت وقتها…
بنتي مش عايشة…
بنتي محبوسة في حياة مش اختيارها.
فجأة رنّ موبايلها…
بصت للشاشة… واتغير وشها.
ردّت بسرعة:
"أيوه… جاية."
بصت لي وقالت:
"لازم أمشي دلوقتي يا ماما…"
شفتها وهي بتلبس بسرعة…
وترجع للشخصية اللي مش هي…
سألتها:
"لازم تعيشي كده طول
الوقت؟"
هزّت رأسها…
دخلت المطبخ بسرعة…
وعملت لها أكل بسيط.
قلت:
"كلي الأول."
قعدت تاكل…
وكل لقمة كانت كأنها ذكرى…
وأنا قاعدة قدامها…
قريبة… لكن حاسة إنها بعيدة جدًا.
بعد الأكل… وقفت وقالت:
"أنا لازم أمشي…"
بعد ما خرجت…
لاحظت مفتاح صغير على الطاولة.
طلعت فوق… ودخلت غرفة الفلوس…
ولقيت خزانة صغيرة.
فتحتها…
وكان فيها ملف كبير.
العقد…
باسم سمر…
مدة طويلة… وشروط قاسية جدًا:
ممنوع تسيب العمل قبل المدة
لازم تحافظ على صورة معينة
ممنوع أي علاقات خارجية
ولو خالفت… تدفع كل الفلوس
وقفت وأنا مش قادرة أتنفس…
12 سنة… وهي عايشة في قفص.
لما رجعت سمر…
كان معاها رجل طويل ببدلة رسمية.
بص لي ببرود وقال:
"مين حضرتك؟"
قلت:
"أنا أم سمر."
قال:
"أنا المسؤول عن عقدها."
كان… "كانغ جون".
سمر وقفت قدامي كأنها بتحميني.
وقبل ما يمشي… قال:
"فاضل سنتين."
في الليل… نمنا جنب بعض.
سألتها بهدوء:
"مش تعبتي؟"
قالت:
"تعبت يا ماما…
بس كنت خايفة
أخسرك."
مسكت إيدها وقلت:
"أنا مش عايزة فلوس…
أنا عايزاكي إنتِ."
سكتت طويلًا…
ثم قالت:
"بس أنا خايفة…"
في اليوم التالي…
أخدتني لمكان صغير هادي…
وقالت:
"هنا كنت ناوية أبدأ من جديد بعد ما العقد يخلص."
قلت لها:
"مش لازم تستني سنتين…
أنا هفضل معاكي."
وبدأنا نخطط…
باعَت البيت…
وباعت كل حاجة…
وضغط عليها الرجل…
لكنها كانت مصممة.
وفي يوم…
لبست سمر لبس بسيط… بدون مكياج…
وكانت لأول مرة… على طبيعتها.
رحنا وسلّمنا كل الفلوس…
حتى فلوس بيتي أنا.
بص الرجل وقال:
"انتهى."
خرجنا…
والشمس كانت قوية…
وقفت سمر… وأخدت نفس عميق…
وقالت:
"أنا اتحررت."
رجعنا بلدنا…
بدون احتفالات…
بس إحنا الاتنين… وشنطتين.
سمر فتحت مطعم صغير…
أكل بسيط… لكن من قلبها.
أول زبون قال:
"الأكل حلو."
كلمتين بس…
لكن عينيها لمعت لأول مرة من سنين.
ومع الوقت…
زاد الزباين…
وكان في أيام صعبة…
وأيام حلوة…
لكن لأول مرة…
ما كانتش مضطرة تمثّل.
في يوم… شفتها بتنضف الطاولة
تحت الشمس…
وشها كان خفيف…
كأن الحمل اتشال من عليها.
وقتها فهمت…
إن القوة مش إنك تستحمل طول الوقت…
القوة الحقيقية…
إنك تختار تتحرر.
النهاية

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط