قصة جديدة محمد عبده
الجزء الأول
ابنتك لم تكن مريضة… كانوا يدمرونها داخل منزلك.
في ذلك الصباح، داخل قصره في سان بيدرو جارزا غارسيا، وقف أليخاندرو فيارّيـال أمام المرآة يعدّل ربطة عنقه بنفس الدقة التي يُغلق بها صفقاته بالملايين.
من الخارج، كان الرجل المثالي الذي تتصدر صوره مجلات الأعمال…
ومن الداخل، كان أرملًا مرهقًا، أمضى ثلاث سنوات يدفن نفسه في العمل هربًا من ألم فقدان ماريانا، أم ابنته.
نزل إلى غرفة الطعام منتظرًا رائحة القهوة أو الخبز المحمص، لكن أول ما استقبله كان عطر اللافندر القوي.
في المطبخ، كانت إستيفانيا، زوجته الجديدة، تُحضّر عصيرًا أخضر كثيفًا في كأس زجاجي طويل.
كل شيء فيها بدا مثاليًا: تسريحة شعر متقنة، ملابس بلا تجاعيد، وابتسامة امرأة تسيطر على كل شيء.
على كرسي كبير، جلست ريناتا، ابنته ذات الأربع سنوات، بثوبها الخفيف وقدماها لا تلامسان الأرض.
كانت تنظر للأسفل، ويداها مشدودتان فوق ساقيها.
— صباح الخير يا حبيبتي — قالت إستيفانيا بنبرة لطيفة بدت متصنعة — فطور الأبطال.
قبّل أليخاندرو جبين
كانت باردة… وعرقها يتصبب.
— هل تشعرين بالتعب مجددًا؟
رفعت عينيها بصعوبة:
— بطني تؤلمني يا أبي… لا أريد الذهاب إلى الروضة.
تدخلت إستيفانيا بسرعة:
— معدتها ما زالت حساسة… تتذكر المرة الماضية؟ كادت تُنقل للمستشفى. الأفضل أن تبقى معي اليوم.
أومأ أليخاندرو، متجاهلًا شكه.
منذ أشهر وهو يسمع نفس الكلام: مناعة ضعيفة، جسد هش…
وقد اختار أن يصدق.
أمسكت الطفلة الكأس بيدين مرتجفتين وشربته دفعة واحدة، كأنها تقاوم الغثيان. لم تشتكِ… فقط عادت للنظر إلى الأسفل.
صوت اصطدام الأطباق قطع الصمت.
دونيا لوبيتا، مدبرة المنزل، كانت تنظر بغضب مكبوت.
التقت عيناها بعيني أليخاندرو للحظة…
لكنّه تجاهل ذلك.
قبل مغادرته إلى المطار، ركضت ريناتا نحوه وأعطته رسمة مجعدة:
بيت نوافذه كلها سوداء… وفي المنتصف طفلة صغيرة بلا فم.
أراد أن يسألها…
لكن إستيفانيا أخذتها بسرعة.
بعد نصف ساعة، أُلغيت رحلته بسبب عاصفة مفاجئة.
شعر براحة غريبة… فقرر العودة، واشترى لابنته دمية ليُسعدها.
دخل المنزل بهدوء…
كان ساكنًا بشكل
صعد السلم… ثم سمع:
تك… تك… تك…
صوت مترونوم.
ثم صوت إستيفانيا… بلا أي حنان:
— اعتدلي… لا تترخي.
وصوت ريناتا المتعب:
— ماما… أنا تعبت…
اقترب من الباب… ونظر من الشق…
فتجمّد.
كانت ريناتا تقف على قدم واحدة فوق قطعة خشب،
وفوق رأسها قاموس ثقيل،
وجسدها يرتجف كأنها ستسقط.
والأسوأ…
أن هذا كان مجرد البداية.
الجزء الثاني
دفع أليخاندرو الباب بعنف.
سقطت ريناتا فورًا من الإرهاق، وانهار القاموس قبلها.
ركض نحوها:
— ريناتا! حبيبتي!
لكنها تراجعت مرعوبة:
— لا يا أبي! آسفة… لم أنتهِ… لا تكرهوني…
كلماتهـا كسرت قلبه.
لم تكن تخاف الألم… بل العقاب…
وتظن أنه سيعاقبها أيضًا.
دخلت دونيا لوبيتا واحتضنتها، وأخرجت قطعة خبز كانت تخبئها.
أكلتها الطفلة بجوع شديد.
تجمّد أليخاندرو.
ابنته… تعاني من الجوع داخل بيتها!
صرخت لوبيتا:
— افتح عينيك يا سيدي! منذ تخرج، تعذبها! لا تدعها تأكل!
وقفت إستيفانيا بهدوء مخيف:
— هذا ليس تعذيبًا… هذا انضباط.
— انضباط؟! إنها في الرابعة!
— لهذا السبب بالذات. الأطفال يُشكَّلون في
مدّت يدها لتأخذ الخبز:
— هذا يضرها…
ارتجفت الطفلة:
— أنا جائعة…
تدخل أليخاندرو بعنف:
— لا تلمسي ابنتي مرة أخرى.
في المستشفى، كانت الحقيقة صادمة:
سوء تغذية، أنيميا، جفاف، وإجهاد شديد.
قالت الطبيبة النفسية:
— المشكلة ليست جسدية فقط…
ابنتك تعتقد أن الأكل يجعلها غير جديرة بالحب.
انهار عالمه.
الجزء الثالث
عاد إلى المنزل… وبدأ يبحث.
وجد دفترًا أسود بعنوان:
"مشروع البجعة"
صفحات مليئة بالقسوة:
عقوبات، حرمان، إهانات…
ثم وجد صورة قديمة:
طفلة تبكي بعد مسابقة…
وكانت تلك الطفلة هي إستيفانيا.
فهم الحقيقة:
هي تعيد نفس العذاب الذي عاشته.
لكن هذا لم يبرر شيئًا.
واجهها، ثم قال ببرود:
— انتهى الأمر.
ترك لها أوراق الطلاق… وبلاغًا رسميًا.
النهاية
بعد شهور، عاش أليخاندرو مع ابنته ولوبيتا في منزل بسيط.
لا فخامة… لكن فيه دفء.
كانت ريناتا تتعافى ببطء…
حتى يوم أحضر لها آيس كريم.
ضحكت لأول مرة.
ثم رسمت رسمة جديدة:
شمس… وطفلة… وأب… يبتسمون.
احتضنها… وهو يشعر أنهم ما زالوا قادرين على البدء من جديد.
الخلاصة
أحيانًا… أخطر عدو للطفل
لا يكون في الخارج…
بل داخل البيت…
ويُسمّى "عائلة".
تمت حكايات محمد عبده