قصة جديدة
الجزء الثاني
داخل المكتب الخاص بالمحكمة، طلبت القاضية نادية الشافعي إدخال كريم وابنته مريم…
بدون صحافة… بدون فضوليين… بدون أي ضجيج.
كانت تريد الهدوء…
لكن الحقيقة أنها كانت تحاول تفهم:
إيه اللي بيحصل لجسمها؟
ذلك الإحساس الغريب… النبض… الحرارة…
كان لا يزال يتحرك تحت جلدها.
عن قرب… بدت مريم أضعف بكثير.
هالات سوداء عميقة… نفس متقطع… ويدين باردتين.
سألتها القاضية بهدوء:
— إنتي عندك إيه يا بنتي؟
لكن الأب هو من أجاب… بصوت مكسور:
حكى إن مريم مولودة بعيب خطير في القلب…
وإنها بتدخل وتخرج من مستشفى القصر العيني من شهور…
وإن الدواء اللي حاول يسرقه…
كان بالكاد يكفيها أيام.
قال وهو يكاد ينهار:
— بعت التليفزيون…
— بعت شغل إيدي…
— حتى دبلة مراتي الله يرحمها…
سكت لحظة… ثم قال:
— طلبت من كل الناس… ومافيش حد ساعدني…
— كان قدامي يا أعمل كده… يا أدفن بنتي.
القاضية سكتت…
لكن كل كلمة كانت بتكسر جواها حاجة.
لأول مرة…
القصة كانت منطقية… زيادة عن اللازم.
نظرت إلى مريم وسألتها:
— وإنتي… لما بتعملي اللي عملتيه ده… بيحصلك إيه؟
خفضت الطفلة عينيها
وقالت بصوت ضعيف:
— صدري بيوجعني… وبنام كتير…
— بس عادي… أنا عايزة أساعد بابا…
— هو مش وحش… والسجن هيكسّره.
الجملة دي…
ضربت قلب القاضية مباشرة.
عادوا إلى قاعة المحكمة…
والهمسات بدأت تنتشر:
"بنت خلت القاضية تحرك إيدها!"
النيابة اعترضت بشدة… طالبت باستكمال الجلسة بدون "مسرحيات".
لكن القاضية… تركتها تتكلم…
ثم نطقت بالحكم الذي صدم الجميع:
— إخلاء سبيل… بشروط.
— مع متابعة قضائية… وخدمة مجتمعية.
سقط الصمت.
الرجل لم يستوعب…
كاد يقع من شدة الصدمة.
أما مريم…
فابتسمت وكأن الشمس أشرقت داخلها.
وفجأة…
ركضت مرة أخرى نحو المنصة.
وقبل أن يمنعها أحد…
وضعت كلتا يديها على ساقي القاضية.
هذه المرة…
لم يكن الأمر خفيفًا.
كانت كأنها صاعقة.
حرارة قوية…
تيار عنيف…
اندفع في جسد القاضية بالكامل.
تجمّدت وهي تمسك المكتب بقوة…
ثم…
تحرّك قدمها.
ثم أصابعها.
صوت همسات مرعبة ملأ القاعة…
شخص بدأ يدعو…
صحفية بدأت تبكي…
لكن في نفس اللحظة…
تغيّر لون شفاه مريم…
جسدها ترنّح…
ثم…
سقطت مغشيًا عليها في حضن أبيها.
المعجزة…
لم تستمر حتى 10 ثواني.
دخل المسعفون
أصوات الأجهزة…
صرخات الأب…
الفوضى عادت من جديد.
قالت القاضية بصوت مكسور:
— خلوه يروح معاها المستشفى فورًا… بدون أي قيود!
وعندما خرجت الطفلة على السرير المتحرك…
حاولت القاضية تحريك ساقيها مرة أخرى…
و…
نجحت.
بشكل بسيط…
لكن حقيقي.
وفي تلك اللحظة…
فهمت الحقيقة المرعبة:
الطفلة نفذت وعدها…
لكن الثمن بدأ يتدفع.
الجزء الثالث (النهاية)
رائحة المستشفى كانت خليطًا من الألم… والفقر… واليأس.
وصلت القاضية في نفس الليلة…
وجدت كريم جالسًا خارج العناية المركزة…
وجهه محطم بالكامل.
الأطباء قالوا الحقيقة القاسية:
— العملية لازم فورًا
— الدواء مش كفاية
— والتكلفة… مستحيلة
وهنا…
انكسر شيء داخل القاضية.
ليس كبرياؤها…
بل عمىها القديم.
طلبت كل الملفات:
— اسم الدواء
— التكاليف
— قوائم الانتظار
— المسؤولين
وخلال ساعات…
اكتشفت الحقيقة:
شبكة من رجال الأعمال…
يحققون أرباحًا ضخمة…
من معاناة ناس زي كريم.
في نفس الليلة…
استخدمت سلطتها بالكامل:
— تهديدات بتحقيقات
— أوامر رقابية
— فضح إعلامي
النظام الذي كان بطيئًا مع الفقراء…
تحرك بسرعة… خوفًا.
تم
وتوفير الدواء مجانًا.
قبل العملية…
فتحت مريم عينيها لثواني…
رأت القاضية… وابتسمت.
قالت لها القاضية بهدوء:
— رجلي اتحركت…
— بس أنا مش هسمح تاني إن طفل يدفع تمن العدالة.
الأب انهار من البكاء.
استمرت العملية لساعات طويلة…
وخارج الغرفة…
كانت القاضية تحاول تحريك ساقيها…
كل حركة صغيرة…
كانت خليط من امتنان… وذنب.
مع شروق الشمس…
خرج الطبيب:
— العملية نجحت…
— بس لسه في خطر.
وكان ذلك كافيًا.
بعد أيام…
فتحت مريم عينيها…
والحياة رجعت لوجهها.
طلبت من القاضية:
— وريني رجلك…
فحرّكتها.
ضحكت الطفلة…
ضحكة صغيرة… لكنها انتصار.
بعد أسابيع…
القاضية بدأت تمشي… بعكاز.
كريم بدأ حياة جديدة…
بدون جريمة.
القضية انفجرت إعلاميًا…
وتم كشف فساد كبير في قطاع العلاج.
وفي يوم…
داخل حديقة في المعادي…
ركضت مريم… بدون ألم…
واحتضنت القاضية.
انحنت نادية بصعوبة…
وهمست لها:
— إنتي ما أنقذتينيش علشان تستاهلي…
— إنتي كنتي تستاهلي من البداية.
مريم لم تفهم كل شيء…
لكنها ابتسمت.
وبعد سنوات…
ظل الناس يتساءلون:
هل كان ده إيمان؟
ولا معجزة؟
ولا مجرد
لكن القاضية لم تناقش أحدًا.
لأنها عرفت الحقيقة الوحيدة:
طفلة مريضة دخلت مكان مليان قلوب قاسية…
وحطت إيدها على ظلم العالم… وخليته يرتعش.
تمت حكايات محمد عبده