الجزء الاخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

"النهارده حاسس كأنه يوم عيد."
كانت هذه هي الجملة التي همست بها دينا فؤاد—في نفس المكان الذي كانت فيه زوجتي سلمى حسن مسجّاة داخل النعش.
لم ترفع صوتها… لم تكن بحاجة لذلك. اقتربت قليلًا من أذن ابني أحمد، واثقة أن الحزن قد أثقل الجميع فلم يعد أحد ينتبه.
لكنني كنت على بُعد خطوات قليلة، أقف بجوار أكاليل الزهور، وأقبض بيدي على باقة من الزنابق البيضاء.
سمعت كل كلمة.
وفي تلك اللحظة… لم يكن الألم فقط هو ما شعرت به، بل شيء آخر تغيّر داخلي—
شيء أصبح أبرد… وأقسى.
كان صباح جنازة سلمى في القاهرة مشرقًا بشكل غير طبيعي. تسللت أشعة الشمس عبر نوافذ الزجاج الملوّن في الكنيسة المعلقة، ناشرة ألوانًا هادئة على الأرض اللامعة.
بدا الأمر خاطئًا…
كأن العالم رفض أن يحزن لغيابها.
على مدار اثنين وثلاثين عامًا، كانت هي مركز حياتي… القوة الهادئة التي تُمسك كل شيء.
والآن… العالم مستمر وكأن شيئًا لم يتغير.
توافد الناس واحدًا تلو الآخر، يقدمون التعازي بصوت

منخفض:
"ربنا يجعل مثواها الجنة."
"ارتاحت أخيرًا."
"كانت إنسانة طيبة جدًا."
كنت أومئ برأسي في كل مرة، لكن تلك الكلمات لم تلمس ما بداخلي.
الحزن بهذا الشكل لا يهدأ… بل يضغط عليك ببطء، كشيء ثقيل يجثم على صدرك ولا يزول.
وصل أحمد متأخرًا.
كانت رابطة عنقه مائلة، وعيناه متورمتين، وشعره غير مرتب.
عندما احتضنني، شعرت بجسده يرتجف.
قال بصوت مكسور:
"آسف يا بابا… كان المفروض أكون هنا بدري."
ضممته بقوة، ووضعت يدي خلف رأسه كما كنت أفعل وهو طفل.
أردت أن أقول شيئًا يخفف عنه… لكن الكلمات لم تأتِ.
لا يوجد كلام يُخفف لحظة كهذه.
ثم دخلت دينا.
دخلت وكأنها في مناسبة اجتماعية.
فستانها أنيق بلون مرجاني، مفصّل بعناية، حذاؤها يصدر صوتًا واضحًا على الأرض، وأقراطها تلمع مع كل حركة.
كانت مثالية… أكثر مما ينبغي لمكان مليء بالحزن.
بينما كان الجميع يخفضون رؤوسهم في الدعاء، رفعت هاتفها بهدوء، تنظر إلى انعكاسها، تعدل أحمر الشفاه، وتُهندم شعرها… بل وابتسمت لنفسها
للحظة، حين ظنت أن لا أحد يراها.
لكنني كنت أراها.
في السنة الأخيرة من حياة سلمى، بدأت أفهم الحقيقة:
عندما يقترب الموت… يسقط القناع.
الناس يتوقفون عن التظاهر.
كانت دينا تزورنا… نعم.
لكن ليس بحب.
لم تجلس يومًا تمسك يد سلمى لتواسيها.
لم تقل كلمة صادقة من قلبها.
كانت أسئلتها دائمًا عن:
الأوراق… الشقة… التأمين… الحسابات.
"دي حاجات مهمة لازم تتظبط."
هكذا كانت تقول.
لكنها لم تتحدث أبدًا عن الرحمة… أو الأمل.
ولم تنادني يومًا "بابا".
كنت بالنسبة لها دائمًا: "أستاذ محمود".
خلال الجنازة، ظل أحمد ثابتًا، ينظر إلى النعش وكأنه ينتظر أن يفتح… وكأن جزءًا منه يصدق أن الزمن قد يعود للخلف.
وعندما همست له دينا بتلك الجملة…
رأيت كتفيه يتصلبان قليلًا.
لقد سمعها.
أنا متأكد.
لكنه… لم يتكلم.
كانت هذه دائمًا مشكلته:
يتجنب المواجهة… حتى لو كان الثمن كرامته.
بعد انتهاء المراسم، ذهبنا إلى المقابر.
كانت الشمس حارقة، والنعش ينزل ببطء إلى الأرض.
وقفت بلا حركة…
حتى سقطت آخر حفنة تراب.
ذلك الصوت…
أجوف… نهائي…
كأن بابًا أُغلق إلى الأبد.
ظننت أن هذا هو أصعب شيء.
لكنني كنت مخطئًا.
بينما بدأ الناس بالمغادرة، اقترب منا رجل بهدوء.
كان المحامي محمود الشافعي.
قال:
"يا أستاذ محمود… مدام سلمى تركت تعليمات واضحة. طلبت إن الوصية تتقري النهارده، بحضورك أنت… وأحمد… ودينا."
أومأت برأسي… ما زلت في حالة ذهول.
لكن دينا…
كان رد فعلها مختلفًا.
لمع شيء في عينيها—
لحظة صغيرة… لكنها كانت كافية لأفهم.
في مكتب المحامي، كان الجو ساكنًا، ورائحة الورق القديم والقهوة تملأ المكان.
جلس أحمد بجواري، يضم يديه بقوة.
أما دينا، فجلست واضعة ساقًا فوق الأخرى، تضرب الأرض بكعبها، وتنظر حولها وكأنها تُقيّم المكان.
بدأ المحامي القراءة.
في البداية… كل شيء كان عاديًا:
أغراض شخصية، تبرعات، هدايا رمزية.
تظاهرت دينا بعدم الاهتمام…
لكنني كنت أرى كيف تميل قليلًا للأمام كلما ذُكر شيء له قيمة.
ثم…
توقف المحامي.
رفع نظره…
وتغيرت نبرة
صوته.
وهنا… أدركت أن ما سيأتي… لن يكون عاديًا أبدًا.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط