الجزء الاخير محمد عبده

لمحة نيوز

باقي القصة
كنت واقف جنب ماكينة البيع الآلي لما الباب اتفتح.
دي كانت التفاصيل اللي علِقت في دماغي… مش الإضاءة اللي كانت بتفصل وتشتغل فوق… مش ريحة القهوة المحروقة اللي عايشة في الجدران… ولا حتى الزملاء اللي اتجمدوا في مكانهم أول ما دخلت هي، كأنهم حيوانات بتحس بتغير الجو.
كنت بحاول أطلع سندوتش رخيص بـ4 دولارات ومفيش حاجة بتطلع. خلصت شيفت 9 ساعات في المخزن. جزمة تقيلة مبلولة. قميص مبلول وناشف في نفس الوقت من العرق. ضهري كان بيصرخ من التعب، ولسه قدامي شغل تقارير لحد نص الليل.
وفي اللحظة دي… دخلت هي.
تقى.
بس مش تقى اللي أعرفها.
لبس كعب عالي عمر ما شُفته قبل كده، شنطة غالية، وملف في إيدها.
وملامحها… مش مرتاحة ولا سعيدة… كانت “حاسمة”. كأنها جت تنهي حاجة للأبد.
وراها كان مدير الشركة.
درو كالاهان.
واقف كأنه صاحب المكان… لأنه فعلاً كان كده.
٣ سنين من الإهانة الهادية… من كلمة “يا صاحبي” اللي معناها “إنت ولا حاجة”… من سرقة مجهودي في كل اجتماع وهو ياخد الفضل بابتسامة باردة.
وكان واقف ورا مراتي.
دماغي حاولت يركّب تفسير…

وفشل.
“لازم يحصل دلوقتي.”
قالتها تقى وهي باردة بشكل يخض.
مدّت ظرف على الطاولة.
بصيت عليه.
أوراق طلاق.
ما لمستهاش.
“تقى… ده إيه؟”
“أنا بقول الحقيقة… أخيرًا.”
درو ما اتكلمش… كان واقف بنفس النظرة اللي بيبص بيها على كل حاجة أقل منه في الاجتماعات.
“مش قادره أكمل كده.”
قالت.
“إنت بتشتغل طول الوقت ومفيش حياة… بترجع منهك… وبتفتكر إن ده إنجاز.”
“دي مش حياة يا نادر.”
اسمّي اتقال كأنه نهاية حاجة جوايا.
“أنا بحاول.”
“عارفة… وده المشكلة.”
بصت لدرو.
“ده أقصى حاجة عندك.”
وفي اللحظة دي… كل حاجة كانت ناقصة تفسير فجأة بقت واضحة بشكل بيقطع القلب.
“إنتِ رايحة له؟”
سكتت.
“أنا رايحة للي يقدر يدي حياة أحسن.”
كنت المفروض أصرخ… أكسر حاجة… أعمل أي حاجة.
لكنّي وقفت.
وهي شالت الدبلة من إيدها وحطتها على الطاولة.
كأنها إيصال دفع.
بعد الطلاق
عدّت 3 أيام كأنهم رماديين ملوشُم اسم.
بشتغل… بنام… بروح… كأني مش موجود.
لحد ما افتحت الظرف.
ظرف فخم… مكتوب عليه اسمي الكامل:
نادر جلال الثالث
اسم عمري ما استخدمته.
ورق قانوني… توقيع رسمي… وشركة محاماة
في قلب منطقة أعمال فخمة في القاهرة.
روحت المكتب.
كان مكان أغنى من أي حاجة شفتها في حياتي.
راجل عجوز قام لما دخلت.
“أستاذ نادر… أنا جيرالد.”
“عمّك توفى من 3 أسابيع.”
“عمّي؟”
أنا تقريبًا مليش أعمام.
لكن افتكرت راجل قديم في عزاء أمي… بدلة سوداء… ظرف فيه مبلغ كبير… وكارت.
الراجل كمل:
“سيادتك الوريث الوحيد.”
فتح ملف.
أرقام ضخمة… استثمارات… شركات… أصول…
“إجمالي التركة… حوالي 470 مليون.”
ضحكت.
“إنت بتهزر.”
“لا.”
“أنت المالك الوحيد.”
وفي اللحظة دي…
عرفت إن مراتي سابت راجل “فقير”…
وما كانتش تعرف إنها سابت صاحب كل حاجة.
العودة للعبة
قدمت استقالتي من الشركة بعد أسبوعين.
من غير أي مواجهة.
ومن غير ما حد يحس.
درو قال بس:
“ناس مش بتستحمل الضغط بتقع في الآخر.”
ابتسمت.
لأنه ما كانش فاهم حاجة.
التحقيق بدأ.
وأنا اللي طلبت يبدأ من شركته.
وطلع الأسوأ…
تلاعب في الفواتير… رشاوى… تزوير… إصابات مخفية عن التقارير… عمال بيتكسروا في الشغل وهو بيكسب مكافآت…
وأنا قاعد أسمع قصص العمال الحقيقيين.
ناس اتكسرت وسكتت… لأنها كانت محتاجة شغلها.

لما الصور طلعت على الإنترنت…
تقى كانت في شهر العسل.
بتكتب:
“أخيرًا الحياة اللي أستحقها.”
ما كانتش عارفة إن الحياة دي بتنهار تحت رجلها.
المواجهة
اجتماع مجلس الإدارة.
أنا داخل بالبدلة.
درو كان قاعد بيضحك بثقة.
لحد ما شافني.
اللون اتغير في وشه.
“ده مستحيل…”
جيرالد قال:
“أقدم لكم المالك الجديد…”
“نادر جلال الثالث… رئيس مجلس الإدارة.”
الصمت كان مرعب.
عرضت الملفات.
تزوير… فساد… استغلال… شغل قذر.
درو بدأ يتوتر.
“ده كذب!”
“لا.”
قلت.
“ده شغلك.”
وفي خلال 20 دقيقة…
اتشال من منصبه.
واتسحب منه كل حاجة.
النهاية
تقى عرفت.
اتصلت.
“إنت عملت إيه؟”
“شغلي.”
“إنت انتقمت.”
“لا.”
“أنا بس خلت الحقيقة تظهر.”
سكتت.
وبعدها قالت بصوت مكسور:
“أنا غلطت.”
“إنتِ اخترتِ.”
وأنهينا المكالمة.
بعدها بشهر…
درو خسر كل حاجة.
الفلوس… الشغل… السمعة…
وتقى حياتها اللي كانت فاكرة إنها هتبدأ.
وأنا؟
كنت واقف في مكتب كبير…
ببص على المدينة.
فاكر كل لحظة قالت فيها:
“إنت مش كفاية.”
النهارده… بقيت أنا اللي بيقرر مين كفاية ومين لأ.
والمضحك في كل ده…
إنها سابتني
وهي فاكرة إنها رايحة لحياة أحسن.
وما كانتش تعرف…
إنها كانت أصلاً ماشية من حياة كانت ملكها من غير ما تدري.
النهاية.

حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط