الجزء الاخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء الثاني
سقط الصمت في القاعة فجأة… حتى الخدم توقفوا عن الحركة.
تقدم كريم ووقف أمام ياسمين، لكنه لم ينظر إليها أولًا… بل نظر إليّ أنا، وكأنه يتأكد من شيء مستحيل، وكأن كل شيء بدأ يتضح أمامه في أسوأ لحظة ممكنة.
— “مهندسة ليلى…” قالها باحترام غريب تمامًا عن المشهد.
بدأ الهمس ينتشر بين الحضور.
ضحكت ياسمين بتوتر، وأمسكت بذراعه:
— “حبيبي إيه اللي بيحصلك؟ متبوظش اللحظة عشان دي… دي بس ليلى.”
بس ليلى.
هكذا كانوا ينادونني منذ وفاة أمي… كأنهم حين سلبوني اسمي الكامل، سلبوني حقي في الوجود.
أبعد كريم يدها عنه بحزم:
— “لا… مش بس ليلى.”
ثم التفت للحضور—رجال أعمال، شخصيات مهمة، أقارب وأصدقاء—وقال بصوت واضح:
— “الست اللي إنتِ أهنتيها دلوقتي… هي ليلى منصور، مؤسسة ومالكة شركة منصور للخدمات اللوجستية الدولية.”
وقعت الكلمات كالصاعقة.
الضحك اختفى.
النظرات تغيرت.
الوجوه التي كانت تسخر… أصبحت مشدوهة.
كانوا يعرفون الاسم.
رأوه في الأخبار، في الصفقات، في تقارير الاقتصاد.
ياسمين رمشت عدة مرات بعدم تصديق:
— “مستحيل…”
لكنها كانت الحقيقة.
في تلك اللحظة،

أدركت أن القوة التي ظنت عائلتي أنها تملكها عليّ… لم تكن موجودة أصلًا، إلا لأنني كنت أصدقهم.
لم أكن دائمًا تلك المرأة القوية.
بدأ كل شيء في منزل قديم بالإسكندرية… عندما توفيت أمي سلمى بسبب المرض.
كانت تجعل البيت حياة… وبعد رحيلها أصبح مجرد جدران باردة.
أبي محمود لم يحتمل الفراغ… فملأه سريعًا.
ظهرت منى—بابتسامتها الناعمة ونظراتها المحسوبة—ومعها ابنتها ياسمين… نفس عمري، جميلة، مدللة، ومؤمنة أن العالم خُلق لخدمتها.
بعدها بدأت أختفي.
تم حذف صوري.
اختفت أشيائي.
تغير كل شيء… حتى أبي.
كنت أحاول أن أكون مثالية… لكن كلما حاولت أكثر، أصبحت عبئًا أكبر عليهم.
حتى جاءت تلك الليلة…
اتهمتني ياسمين بشيء لم أفعله، وأبي لم يمنحني حتى فرصة للدفاع.
قال فقط:
— “اطلعي برا البيت.”
كنت في السادسة عشرة… والمطر يهطل… وكنت أنتظر أن يوقفني أحد.
لم يفعل أحد.
عدت للحاضر على صوت ياسمين المرتعش:
— “طب قولي لهم إنتِ مين يا ليلى!”
نظرت لها بثبات.
كنت أعلم أن الدعوة لم تكن مصالحة… بل إهانة أخيرة.
لكن ما قاله كريم بعدها… أشعل كل شيء:
— “أنا كنت جاي أتمم صفقة
مع عيلتك… واكتشفت إنكم طول السنين دي بتخبوا الحقيقة عن اللي دمرتوها.”
شحب وجه الجميع.
ثم أخرج هاتفه، نظر إليه، وقال ببرود:
— “مش بس ضربتوا الشخص الغلط… إنتوا كمان خسرتوا كل حاجة.”
وعرفت حينها أن النهاية اقتربت.
الجزء الثالث
لم يجلس أحد.
لم يتنفس أحد براحة.
الزفاف تحول إلى محاكمة علنية أمام الجميع.
قال كريم بوضوح:
— “شركتي بتتفاوض بقالها شهور على شراكة مع شركة ليلى… والصفقة دي واقفة على توقيع واحد: توقيعها هي.”
ارتفعت الهمسات كالموج.
حاول أبي الكلام… لكنه فشل.
منى كانت على وشك الانهيار.
ياسمين كانت تتشبث بفستانها كأنه سينقذها.
أكمل كريم:
— “أنا قابلت ليلى من سنتين… وشوفتها بتدير اجتماع مع ناس أكبر منها بسنين وتسكتهم بسؤال واحد. هي أقوى وأذكى ست في المجال… وإنتوا عاملتوها كأنها ولا حاجة.”
انفجرت ياسمين بالبكاء:
— “ليلى… أرجوكي قولي له إن ده سوء تفاهم…”
لأول مرة… كانت تتوسل لي.
لكنني لم أشعر بالانتصار.
فقط… راحة.
راحة شخص لم يعد ماضيه يتحكم فيه.
حاول أبي:
— “يا بنتي… أنا غلطت…”
نظرت له بهدوء:
— “متنادينيش بنتك دلوقتي… أنا احتجت
الكلمة دي من 15 سنة.”
اقتربت منى:
— “ممكن نحل الموضوع بهدوء…”
— “15 سنة كنتوا سايبيني بره في هدوء… استحملوا الحقيقة 5 دقايق قدام الناس.”
ارتجفت ياسمين:
— “كنت صغيرة…”
— “لا… كنتي قاسية… وكبرتي على كده.”
في تلك اللحظة… خلع كريم الدبلة.
صوت سقوطها كان كالنهاية.
— “أنا مش هتجوزك.”
صرخت ياسمين:
— “لا… أرجوك!”
لكنه تراجع:
— “مش عشان الضربة… عشان لما افتكرتي إن مفيش حد مهم شايفك… أظهرتي حقيقتك.”
ثم نظر للجميع:
— “وإنتوا كمان.”
أدركت حينها…
أن العدالة لا تأتي دائمًا كانتقام…
أحيانًا تأتي كمرآة.
استدرت وغادرت.
هذه المرة… لم يضحك أحد.
بل انقسمت القاعة لتفسح لي الطريق.
خارج القاعة، كان الهواء منعشًا… حرية خالصة.
لحق بي أبي:
— “سامحيني… معرفتش أحميكي.”
نظرت له بهدوء:
— “أنا مكنتش محتاجة الحماية النهاردة… كنت محتاجاها ليلة المطر.”
لم أبكِ.
انتهى ذلك الجزء مني.
بعد قليل، خرج كريم وأخبرني أنه ألغى الزفاف والصفقة. اعتذر… لكنني لم أعد بحاجة لمن ينقذني.
ركبت سيارتي… وانطلقت دون أن أنظر خلفي.
وأنا أبتعد… فهمت أخيرًا:
مش كل دم يبقى عيلة…
وأكبر
انتصار مش إنهم يعتذروا…
أكبر انتصار إنك تبقى مش محتاج الاعتذار أصلًا.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط