الجزء الثاني والاخير حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
لما دكتورة المخ والأعصاب وصلت… ما سلّمتش على حد.
دخلت الغرفة كأن الجو نفسه بيضايقها.
اسمها الدكتورة ليلى منصور… رتبة عقيد طبيب… في أوائل الأربعينات… عيونها مرهقة، ونظرتها حادة… نظرة واحدة من الناس اللي شافت أخطاء كتير متغطية بكلمة "بروتوكول".
— إيه اللي حصل؟
الدكتور حسام رد بسرعة زيادة عن اللزوم:
— مفيش حاجة مهمة… الممرضة عملت تشويش في الجهاز، وأهل الحالة اتوتروا.
مريم ما بصتلوش حتى.
— أقدر أكرر اللي عملته.
الدكتورة ليلى بصّت على الكارنيه بتاعها… وبعدين على سلمى… وبعدين على الجهاز.
— اعملي.
مريم حطت صوابعها تاني ورا ودن سلمى… وضغطت.
الإشارة الصغيرة ظهرت تاني.
الدكتورة قربت أكتر… مريم كررت الحركة…
ونفس النتيجة.
وش الدكتورة اتغير بسيط جدًا.
— دي مش استجابة انعكاسية عادية…
الدكتور حسام قاطعها:
— اتأكدنا من موت جذع المخ أكتر من مرة! مش هنفتح ملف اتقفل بسبب صدفة!
بصّت له نظرة قاسية:
— يبقى مفيش مشكلة نثبت ده تاني.
وفجأة… كل حاجة اتحركت.
تحاليل دم… إعادة اختبارات… طلب أشعة عاجلة…
الغرفة رجعت تبقى ساحة معركة بدل ما كانت مكان انتظار موت.
اللواء أحمد واقف جنب بنته… ما اتحركش…
بيبص لها كأنه عايز يرجّعها للحياة بإرادته بس.
الدكتور حسام قرّب من مريم عند الحوض وقال:
— لو طلعتي غلط… إنتي دمرتي
مريم بصّت له بثبات:
— ولو أنا صح… يبقى إنتوا بقالكم 6 شهور بتدفنوا واحدة عايشة.
المرة دي… ما عرفش يرد.
الفحص بدأ…
حدقة العين… ردود الفعل… التنفس…
الدكتورة ليلى بتشرح كل حاجة بدقة.
وفجأة سكتت لحظة أطول من اللازم…
— في استجابة.
— مستحيل! — صرخ الدكتور.
— طب فسّرها.
في اللحظة دي… ضربات قلب سلمى زادت فجأة.
مش زيادة بسيطة… كأن جسمها بيرد على خوف أو ألم.
الجهاز صفّر…
أحد الأطباء رجع لورا…
اللواء مال عليها:
— سلمى…
صوته اتكسر لأول مرة.
وفجأة… صوابعها اتحركت.
حركة صغيرة جدًا… لكنها حقيقية.
— رد فعل! — قال الدكتور بعصبية.
— بلاش تقول كلام مش عارف تثبته — قطعت عليه الدكتورة.
بعد ساعات… الأشعة كشفت الحقيقة:
ضغط على منطقة حساسة في المخ…
حالة ممكن تشبه "الموت الدماغي" لكنها مش نهائية.
مش ضمان للشفاء…
لكن كفيلة تهدم التشخيص كله.
وهنا… بدأ الكابوس الحقيقي.
ظهر مديرين… محامين… واحدة لابسة بدلة وابتسامة مزيفة…
كلهم عايزين ينقلوا سلمى بسرعة لمستشفى تاني.
سرعة غريبة… اهتمام زيادة…
كأنهم عايزين يخرجوا الحالة من المكان بأي طريقة.
— محدش هينقلها — قال اللواء ببرود.
— يا فندم فكر بهدوء… ده الأفضل للجميع—
— للجميع؟ ولا علشان تخبّوا اللي عملتوه؟
الدكتورة ليلى كانت بتراجع الملف…
قلبت صفحة… والتانية…
وشها
مريم لاحظت.
— في إيه؟
الدكتورة رفعت عينها ببطء:
— جرعات المهدئ في الاختبار التاني مش متسجلة صح…
والتوقيع مش للدكتور اللي كان شغال اليوم ده.
الدكتور حسام وشه اصفر.
مريم قلبها وقع.
الموضوع ما بقاش إهمال…
بقى حاجة أخطر بكتير.
الدكتورة بصّت لمريم:
— النقطة اللي ورا الودن دي… اتعلمتيها فين؟
مريم بلعت ريقها:
— في أفغانستان…
وفي اللحظة دي…
سلمى فتحت عينيها… لحظة صغيرة…
وبصّت مباشرة ناحية صوت مريم.
الجزء الثالث (الأخير)
الغرفة سكتت تمامًا.
مش رمشة عشوائية…
عينيها كانت بتتبع الصوت…
كأنها بتحارب بقالها شهور علشان ترجع.
اللواء أحمد حس إنه مش قادر يتنفس…
الدكتور حسام لأول مرة بان عليه الخوف.
— دي متابعة حقيقية — قالت الدكتورة.
— لا… ممكن يكون—
— كلمة كمان وهخرجك من الحالة دي — قطعته.
مريم قربت بهدوء:
— سلمى… لو سامعاني… اضغطي على إيدي مرة واحدة.
ثانية… اتنين… تلاتة…
وسلمى ضغطت.
ضعيف جدًا…
لكن كفاية يثبت الحقيقة.
اللواء انهار على السرير:
— بنتي…
الدكتورة بدأت تدي أوامر بسرعة:
تحاليل جديدة… متابعة دقيقة… تجهيز بروتوكول للتواصل مع مريضة واعية جزئيًا…
الموضوع انتهى…
مفيش حد يقدر ينكر.
بعد كده… طلبت الملف كامل.
راجعته قدام الكل.
والحقيقة طلعت…
زي جرح مفتوح.
الاختبار التاني كان متلاعب فيه.
أدوية اتاخدت وقت
توقيعات مزورة…
مواعيد مش مظبوطة…
وحتى إيميلات بتتكلم عن "إنهاء حالة اللواء قبل التفتيش".
مش خطأ…
جريمة.
اللواء وقف… وشه اتغير…
بقى وش حرب.
طلع موبايله:
— عايز تحقيق عسكري ونيابة حالًا… محدش يخرج… ومحدش يمسح حاجة.
حاولوا يتكلموا عن البروتوكول…
ما سابهمش.
— 6 شهور وأنا بعيط على بنتي… وإنتوا عايزين تمضوني على موتها… ده مش طب… ده جريمة.
الدكتور حسام سكت.
والدكتورة ليلى قالت له:
— إبعد عن الحالة.
لما جه التحقيق… المستشفى كله اتقلب.
مش جنازة…
دي فضيحة.
في الفجر… سلمى فتحت عينيها تاني…
المرة دي لفترة أطول.
ما كانتش قادرة تتكلم…
بس لما أبوها قال: "أنا جنبك"…
دمعة نزلت من عينها.
اللواء بكى… من غير ما يستخبى.
مريم كانت واقفة على الباب بهدوء.
الدكتورة قربت منها:
— إنتي أنقذتي حياتها.
مريم هزت راسها:
— هي اللي قاومت… أنا بس ما سكتش.
اللواء قرب منها:
— بجد كنتي في أفغانستان؟
— آه… كنت مسعفة في مهمات خطرة… واتعلمت أدوّر على الحياة حتى وسط الصمت.
بص لبنته… وبعدين ليها:
— البلد دي محتاجة ناس زيك… وبنتي كمان.
بعد أسبوع…
سلمى فاقت لوحدها.
لسه ضعيفة… لكن عايشة.
ولما شافت مريم… رفعت صباعين بصعوبة… كأنها بتحييها.
مريم ما ردتش بتحية…
مسكت إيدها بهدوء.
لأن الشجاعة الحقيقية…
مش إنك تمسك سلاح…
لكن إنك تقول "في
وقت ما الكل ساكت.
الخلاصة 👇
أخطر عدو مش دايمًا الموت…
أحيانًا… بيكون الناس اللي بتقرر إن حياتك انتهت… على ورق.
تمت حكايات محمد عبده